ربما عبرت أصوات الفقراء الى روما، لكن صداها رجع خائبا. لا لأن تجار العالم اتحدوا على مراكمة الثروات من قوت الفقراء فقط، بل فقد الفقراء انفسهم بوصلة النجاة، ووجهة الامن الغذائي في أبسط صوره. التجارة بدأت في التاريخ البشري، على اثر تراكم الانتاج. أي ان الفائض في الانتاج جرى تصريفه عبر المقايضة.
وما ان دخل الجشع على المقايضة حتى انتفى شرط التراكمية وحتى الانتاجية، فبات في مقدور التجار بيع الهواء بذريعة التلوث البيئي. حين يُسلم شعب ما مثلا مقاليد السطلة لحكومته، فان سبب وجود هذه الحكومة هو براعتها في ادارة موارد هذا الشعب بما يخدمه هو، لا فئة قليلة كسرت كل ألواح التجارة النزيهة. ادارة الموارد تعني توجيهها نحو الانتاج وصولا الى الاكتفاء الذاتي، ومن ثم الاتجار بالفائض.
في قمة روما، حيث انطلق التحذير المدوي من تهديد أزمة الغذاء العالمي لنصف سكان الارض بالمجاعة، نجد أن نصف حكومات الكرة الارضية فاشلة في مهمتها الاساسية، كما فشلت القمة نفسها في توجيه الحكومات نحو طريق النجاة من الفشل.
غير ان السؤال يبقى: لماذا الفشل دوما من نصيب حكومات العالم الثالث فقط؟
طبعا الاجابة تتصل بتداول السلطة والديمقراطية، وإعطاء الكل فرصة تجريب حنكته الادارية. لكن الاهم هو ما يرتبط بالمشكلة الاقتصادية الاساسية: موارد أرضية محدودة وحاجات بشرية غير محدودة، وعليه فإن القوي يستبيح ما شاء من الموارد لهثا وراء اشباع حاجات لا تشبع. ويجد الفقراء لزاما عليهم ابرام اتفاقات مع الاغنياء، وبحسب موازين القوى السائدة تكون الغلبة للفريق الثاني من دون جدال.
لكن الوجه الآخر للصورة ايضا يحمل سؤالا مضادا: لماذا يهجر فلاحو العالم الثالث مزارعهم، ويبيعون أرضهم لقاء سيارة والجلوس وراء مكتب وظيفة براتب زهيد، قبل الانزلاق الى البورصة ركضا وراء الثراء السريع.
على هذا فإن الاحتجاج يبدو عبثيا ان جرى على النحو التالي: مزارع ذرة سابق هجر أرضه إلى البورصة، يرفع لافتات خلال تظاهرة امام قمة روما، تطالب الدول الغنية بعدم استنزاف مادة الذرة في تصنيع الوقود الحيوي، بدل ارسالها إلى ثلاثة مليارات انسان يترقبون برعب زحف الجوع؟
والاكثر عبثية ايضا، هو طرح التساؤل عن ازمة غذاء عالمية، في ظل عودة الاقطاع إلى العالم الثالث، بينما أمتار قليلة من الارض تؤمن للفقير كفافه، وهو ما يعني تفضيل الاقطاع تصدير المنتجات الزراعية بثمن مجز إلى العالم المتقدم، ليلقي نصفها في الزبالة، بينما المئات من جيران الاقطاعي يعانون خواء الجيوب والأمعاء.
حجر المجن هنا هو عدالة توزيع موارد الارض.. وتهذيب حاجات الآدمي
خالد أبوكريم