في ظل العولمة بتوحشها وتجبرها، اتسعت دائرة الفقر في العالم. قالوا إن العالم بات قرية صغيرة. وهذا صحيح. ولكن القرية بها إقطاعيات وباشوات وعُمد لهم السطوة على فقراء القرية الذين يزرعون ويحرمون مما يزرعونه. ليس هذا تجنياً على هؤلاء الإقطاعيين.
فهم يتحكمون في العالم إلى درجة أنهم خصصوا أهم منتجين غذائيين بعد القمح وهما الذرة والسكر كوقود حيوي يسمى «الايثانول» لتشغيل سياراتهم بدلاً من البنزين على حساب الغذاء. هذا ما دفع خبير الأمم المتحدة جون زيغلر إلى أن يقول إن أميركا ومعها الاتحاد الأوروبي يسلكان طريقاً إجرامياً في حق فقراء العالم عبر اللجوء إلى استخدام الحبوب في إنتاج «الإيثانول».
لأنه ساهم بشكل كبير في تفجر موجة غلاء بجميع أنحاء العالم. لقد استخدمت الولايات المتحدة ثلث محصولها من الذرة في إنتاج الوقود الحيوي، فيما يعتزم الاتحاد الأوروبي استخدام الوقود الحيوي بنسبة تصل إلى عشرة في المئة. وليس الايثانول وقود الغرب الحديث هو وحده السبب.
ففي الغرب أيضاً مضاربات عالمية مرعبة في الأسواق العالمية، كانت هي الأخرى وراء ارتفاع أسعار الغذاء. هذا يعني تحديدًا - كما قال خبير التغذية بمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» أندور ثورن ليمان- نزع الطعام من أفواه الأطفال الجوعى.
هؤلاء الأقوياء الذين يديرون شؤون العالم أو القرية العالمية، صارت مصالحهم فوق كل اعتبار دون مراعاة لحقوق شعوب نامية تزداد فقراً وبؤساً خاصة في افريقيا. والغريب - حسب رأي المعلق البريطاني باسكال فليتشر- أن تصنع الشيكولاتة على مستوى العالم من كاكاو مصدره إفريقيا.
وتصل أسماك وفواكه وخضراوات القارة السمراء إلى الموائد في أنحاء العالم، ويدير نفطها السيارات والمصانع من الصين إلى الولايات المتحدة. وبعد ذلك يعاني الأفارقة من الفقر والجوع. والمثير أيضاً أن العالم - كما يقول مدير «الفاو» جاك ضيوف- أنفق في عام واحد حوالي 1200 مليار دولار على الأسلحة.
في حين أن قيمة الأغذية التي لا تتم الاستفادة منها في بلد واحد يمكن أن تصل إلى 100 مليار دولار. ومن جانبه، وضع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يده على آلام الفقراء، فقال «ليس هناك ما هو أكثر إذلالاً من الجوع، خاصة حين يكون من صنع يد البشر».
نعم.. الجوع من صنع البشر. ولكن الغرب بوقوده الحيوي ومضارباته واحتكاراته، ليس وحده المسؤول عن كارثة نقص وارتفاع أسعار الغذاء. الأنظمة التي تحكم الدول النامية الفقيرة، تشارك هي الأخرى في تحمل المسؤولية. فالمسؤولون - بشهادة بان كي مون - تقاعسوا عن اتخاذ قرارات صعبة ولم يقدروا ضرورة الاستثمار في الزراعة.
آن الأوان أن ندرك أن من لا ينتج غذاءه وطعامه لا يستحق أن يعيش. وإذا كانت أنظمة الحكم في عالم الفقراء ستظل غافلة عن واجباتها تجاه شعوبها التي باتت تعاني من العوز وتتجاهل ضرورة أن تحقق لأوطانها الاكتفاء الذاتي من الغذاء، فليس أمام تلك الشعوب سوى أن تلبي نداء الشاعر العراقي الكبير محمد الجواهري «نامي جياع الشعب نامي.. فإن لم تشبعي من يقظة فمن المنام.. نامي على زبد الوعود يضاف في عسل الكلام».
حسن صابر : shaheen@albayan.ae