كنت، في تلك اللحظات الصعبة، في العراق اتنقل بين مدينتي الكاظمية، حيث كنت أقيم مع نسيبي حسين مروة، وبغداد، حيث كنت أتابع دراستي الثانوية في مدارسها. وبحكم العلاقات التي كانت تربطني بالعديد من المثقفين ومن أهل السياسة، وبالعديد من الطلاب الجامعيين، الذين مارسوا خدمتهم العسكرية على أرض المعركة ل«تحرير فلسطين»، فقد أتيحت لي الإمكانية لكي أعرف الكثير عما حصل على أرض هذه المعركة من خيانة موصوفة.
إذ روى لي أصدقائي الطلاب، من ضباط احتياط وجنود، كيف سُلّم، من دون قتال وبالتواطؤ إلى العصابات الصهيونية، كما كنا نسميها في ذلك الزمان ازدراء لها، القسم الأكبر من أرض فلسطين، بخلاف ما نص عليه قرار التقسيم، وكيف أدى ذلك إلى تشريد الفلسطينيين في الشتات العربي والعالمي، وكيف تم تقسيم ما كان قد تبقى من الأرض خارج دولة إسرائيل بين دولة شرق الأردن الحديثة التكوين (الضفة الغربية) وبين دولة مصر العريقة في التاريخ (قطاع غزة).
يومها، واستناداً إلى ما توفرت لي معرفته من تفاصيل عما حدث، كتبت في العدد الأول والأخير من جريدة «السيار» التي أنشأها حسين مروة مقالاً ناري اللهجة تحت عنوان «لن تغفر الشعوب». إذ كنت أتصور أن شعوبنا لن تغفر لحكامنا الجريمة التي ارتكبوها بحق شعب فلسطين وبحق أحلامنا، نحن شباب ذلك الزمان.
ثم أردفت المقال بمقالين نشرتهما في مجلة «العرفان» في لبنان، فيما يشبه البكاء على الأطلال. وأرسلت إلى كل من صديقيّ محمد دكروب، في مدينة صور في لبنان، وإنعام الجندي، في مدينة السلمية في سوريا، رسالتين أنعي فيهما أحلامنا القومية المشتركة في الحرية والتقدم والوحدة.
عدت، بعد عام من النكبة، إلى لبنان لأتابع المشهد ذاته، مشهد النكبة، من قريتي الجنوبية «حاريص»، ومن مدينتي الأولى «صور». تابعت المشهد في مخيمات اللاجئين، الذين كانوا، في ظل النكبة، يحلمون بالعودة قريباً إلى الديار في حضن الوطن المغتصب. لكن ذلك الانتظار طال زماناً.
وما زال اللاجئون في شتاتهم ينتظرون ذلك الحلم بالعودة، وسط المعاناة والعذاب، ووسط المحاولات المستمرة لتحويلهم إلى أدوات في خدمة أغراض ومصالح في الداخل وفي الخارج لا تمت بصلة إلى مصالحهم، التي تتلخص بإقامة دولتهم الفلسطينية على أرض وطنهم فلسطين.
لم يكن من السهل علينا، نحن شباب ذلك الجيل، أن نختار طريقنا إلى المستقبل، في ظل تلك النكبة، لاسيما في مراحلها الأولى. لكنني، مع ذلك، غامرت، وغامر معي كثيرون من أبناء جيلي، كرد على النكبة وعلى الخيانة، وكمحاولة للذهاب في الاتجاه النقيض للوقائع الجديدة التي قامت، وفي الاتجاه النقيض لمسار الأحداث، غامرت، وغامرنا، في اقتحام فكر جديد، فكر مغاير للسائد من الأفكار.
غامرنا في الدخول، كل منا على طريقته ووفق قناعاته، على قاعدة الفكر الذي اختاره، الدخول في مشروع سياسي صاعد. وكان خياري واضحاً منذ البدء، هو خيار الاشتراكية. وكان لي رفاق في هذا الاختيار. في حين اختار رفاقي الآخرون الفكر القومي بأفق مغاير لما كان سائداً، سرعان ما قادهم إلى الاقتراب من خياري الاشتراكي، لكن من مدرسة أخرى.
شجعني على خياري ذاك انتصار الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية الذي كان قد بدأ يؤسس، استناداً إلى المشروع الاشتراكي الذي كانت قد دشنته ثورة أكتوبر، لولادة مستقبل أفضل للعالم، ولبلداننا كجزء من هذا العالم، مستقبل تحترم فيه حقوق الشعوب وحرياتها وسلامها وتطورها.
كان انتمائي، وانتماء الكثيرين من أبناء جيلي، باسم ذلك المشروع، يتمثل ويتجسد في انتسابي وانتسابهم إلى الأحزاب الشيوعية العربية التي كانت قد ولدت في مطالع عشرينات القرن الماضي. ذهبت، وذهبنا، في ذلك الطريق غير المسبوق سعياً وراء تحقيق أحلامنا.
وبقيت، وبقينا، زمناً طويلاً نغذّ السير من دون كلل، ومن دون ملل. وما إن بلغنا من العمر عتياً حتى وجدنا أنفسنا، نحن وأحلامنا القديمة والجديدة، في أول الطريق من جديد، كأن شيئاً لم يكن، وكأن تاريخاً طويلاً من الزمن قد مرّ مثل لمح البصر، وكأن الحياة قد تسمرت في مكان واحد، وكأن أحداث التاريخ قد توقفت.
ثم اكتشفت، واكتشفنا، متأخرين، أن ثمة علة عميقة الجذور كانت تكمن فينا، وفي أمثالنا من الحالمين من دون أن ندري. لقد كنا نرى الخلل في المشروع الاشتراكي ونسكت عنه. ذلك أننا لم نكن نصدق ما كنا نرى. فسكتنا على الخلل. وتحملنا بسكوتنا عليه مسؤوليتنا في الانهيار الذي أصاب ذلك الحلم الكبير، المتمثل بذلك المشروع العظيم، مشروع ماركس لتغيير العالم.
وهكذا فقد أدركنا، متأخرين، أن العلة التي كانت فينا، كانت أيضاً في طريقة تعاملنا مع ذلك المشروع العظيم، حين حولناه من مشروع قائم على العلم وعلى استشراف المستقبل، إلى ما يشبه الدين الجديد. فسقطنا معه حين سقط. لكن سقوطه وسقوطنا لم يبددا الحلم عندنا بالمستقبل، ولم يغيرا من قناعتنا بأن قيم الاشتراكية ومثلها أعظم وأقوى من أن تنهار مع الصيغة التي تم فيها وضع مشروع ماركس في التطبيق وفي التجربة.
صحيح أن أحلامنا انهارت مع انهيار المشروع الذي كنا ننتمي إليه. وصحيح أيضاً أن الارتباك تعمق على جميع الجهات، وأن الهزيمة ظلت تلاحقنا. وصحيح كذلك أن الانهيار قد ترافق مع ولادة أفكار جديدة عبثية وعدمية، ومع مغامرات لا تعطي لأحلام البشر في الحياة أية قيمة.
فالحياة، بالنسبة إلى أصحاب هذه الأفكار والمغامرات، هي لحظة عبور إلى عالم آخر، يأتي بعد الموت. وكان ذلك من قبل هؤلاء فهماً متعسفاً للدين، ودوساً على قيمه، واستهتاراً بالحياة التي هي أصل الوجود. كل ذلك صحيح. لكننا بدأنا، ولو متأخرين، نفيق من وقع الصدمة، على الآثار الكارثية لتلك الأفكار والمشاريع التي اجتاحت مواقعنا. وبدأنا ندرك جيداً أن النهوض، بعد الكبوة، سيحتاج إلى زمن ضروري. وها نحن نحاول الدخول في هذا الزمن الضروري.
لقد كانت فلسطين، في ظل هكذا وضع جديد، هي الضحية للمرة الألف. وكان شعبها هو المختبر الأصلي لكل تلك المغامرات. وهكذا بدأنا نجد أنفسنا أمام نكبة عظمى، تتجسد فيها على أبشع وجه كل الهزائم القديمة، مضافة إليها الهزائم الجديدة المتكررة.
في هذه اللحظة بالذات، التي تكثر فيها الهزائم، تبدأ الرحلة الجديدة، رحلة الحلم مقروناً بالعلم. وبالطبع، ففي هكذا وضع تصبح الكتابة، التي هي مهنتي الآن، شديدة الصعوبة. إذ يشعر الكاتب أنه يكاد يكتب من دون أن يكون للكتابة التأثير المباشر المطلوب، أي كأنه يكتب من دون جدوى مباشرة.
والصعوبة هذه إنما تنتج من جراء ما يسود الآن من فكر وسياسة يمارسهما أولئك الذين تسلقوا، في ليلة مظلمة، إلى مواقع القرار، وساقوا وراءهم كالأنعام، بالغرائز وبالمشاعر البسيطة، كتلاً بشرية كبيرة. وحملوا شعارات ديماغوجية، استقوها من ترسانة حركاتنا الوطنية والقومية، اليسارية واليمينية على حد سواء.
شعارات العداء للإمبريالية والصهيونية، مفرغة من أي معنى، وفاقدة لأي مشروع سياسي حقيقي يرمي إلى تحقيق الحرية لبلداننا، وإلى تحقيق السعادة لشعوبنا، الحرية والسعادة اللتان تشكلان الأصل في أي مشروع سياسي من أي نوع كان.
قد يبدو لقارئ هذه التداعيات المستوحاة من ذاكرة شاهد على النكبة، المرافق بلا ملل للمسار الذي أنتجته هذه النكبة على امتداد العقود السابقة، الاشتراكي المغامر الفاشل في الاتجاه النقيض للكوارث التي خلفتها النكبة، قد يبدو للقارئ أن هذا الشاهد، الذي هو أنا، قد دخل في منطق ومنطقة التشاؤم حتى اليأس.
لكن الواقع هو عكس ذلك تماماً. فأنا ممن لا يدخل اليأس إلى قلوبهم وعقولهم وأفكارهم. ولست ممن يستقيلون من مسؤولياتهم. لكن ما قدمته هو رواية لما حصل، ونقد للذين أوصلونا إليه، واعتراف بالمسؤولية الشخصية والسياسية عما يعود لي، عندما كنت في موقع القيادة في الحزب الشيوعي اللبناني.
وفي الحركة الوطنية اللبنانية، وحتى في المرحلة التي أنا فيها الآن خارج أية مسؤولية، بفعل العمر، لا بفعل الاستقالة من الفكر والحلم والمسؤولية. كلا. ليس ما أسوقه في هذه التداعيات تعبيراً عن تشاؤم، أو دعوة لليأس، أو رغبة في الاستقالة من المسؤولية.
فأنا ما زلت أعتبر نفسي معنياً بالنضال، بالكلمة، وبالموقف، وبالرأي، وبالاستشراف، من دون سلاح إلا سلاح النقد، ومن دون عنف إلا عنف الثقة بالمستقبل، وشدة الإيمان بعظمة الحلم الذي ما زال يرافقني منذ شبابي الباكر، الحلم بتحقيق آمال شعوبنا في الحرية والسعادة والتقدم.
هنا أجدني مدفوعاً، بحكم هذه المسؤولية الفردية، أن أجيب عن أسئلة ملموسة تطرحها عليّ وعلى أبناء جيلي، وعلى الذين يشاركونني الرؤية والفكر والحلم، وقائع أيامنا الصعبة، وأزماتها، ومآزقها، وظلام الأفكار والمشاريع التي تستولي على عقول الكثيرين من جماهير شعبنا.
وهذه الأسئلة هي كثيرة. وبين هذه الأسئلة ما لا أجد ضرورة في الإجابة عنها إلا في كلمات. وهي أسئلة ملموسة وواضحة وحادة في الوقت ذاته. السؤال الأول يتعلق بطبيعة الدولة الإسرائيلية. والجواب يتلخص بكلمات قليلة مفادها أن إسرائيل هي جسم غريب في منطقتنا.
وستبقى جسماً غريباً حتى ولو تم توقيع السلام معها. إلا أن احتمال خروجها من كونها جسماً غريباً لا يتحقق إلا إذا أصبحت كل فلسطين دولة ثنائية القومية. وهو أمر أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع والاحتمال، على الأقل في المدى المنظور، حتى لا نطلق الحكم، ونقضي على الأمل المحتمل.
السؤال الثاني يتعلق بموقف الولايات المتحدة الأميركية من القضية الفلسطينية، ومن الدولة الفلسطينية تحديداً. والجواب، حتى إشعار آخر، هو سلبي. ذلك أن السياسة الأميركية في المنطقة إنما تقوم على دعم إسرائيل والاعتماد عليها، باعتبارها الأكثر ضمانة لسياساتها، أي سياسات أميركا، في المنطقة. لذلك لا تجوز المراهنة على الموقف الأميركي في موضوع الدولة الفلسطينية.
السؤال الثالث يتعلق بالسلام مع إسرائيل. وهو سؤال حقيقي يتعلق بمشروع يستحق كل الجهد لتحقيقه. والجواب عن هذا السؤال يتوقف على ثلاثة عوامل: العامل الإسرائيلي والعامل الأميركي والعامل العربي. وهذا الأخير يتخذ اليوم بعداً جديداً ومهماً، لا تعبّر عنه فقط المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية.
بل تعبّر عنه كذلك حاجة إسرائيل إلى السلام، ولو لزمن محدد في القادم من الأعوام. أما السؤال الأهم من بين هذه الأسئلة فهو السؤال الذي يتعلق بالسياسة التي تمارسها القوى الفلسطينية، اليوم خصوصاً، وفي السنوات التي أعقبت مؤتمر مدريد، حتى لا نذهب أبعد من ذلك.
والجديد الخطير في السياسة التي تمارسها الفصائل الفلسطينية، باستثناء السلطة، هي سياسة مغامرة، لا تقود إلى أي حل، ولا تبشر بأفق. إنها سياسة عدمية، تقوم على المكابرة، والتضحية بحياة الناس، باسم مقاومة لا تقدم خطوة واحدة في اتجاه استعادة الحقوق، وبناء الدولة الفلسطينية المرتجاة.
وقد عبّرت عن رأيي في أكثر من مناسبة بخصوص هذا النوع من المقاومة، سواء في فلسطين أم في لبنان. لكن الكارثة القائمة والدائمة هي ما تشهده غزة، ليس فقط باقتتال الأخوة، الاقتتال البغيض، بل في العمليات الانتحارية، وفي المكابرة، وفي رفض الانصياع لإرادة الحياة، ولإرادة التعاون مع الأشقاء، من أجل تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني.
ومع ذلك فلست هنا في معرض التقييم من بعيد لوقائع وأحداث، أشقاؤنا الفلسطينيون هم المعنيون بها وبتقديم الإجابات عنها. لكنني، بمعزل عن صحة هذا الموقف أو ذاك في الخلاف القائم بينهما، لا أستطيع إلا أن أكون في السياسة مع موقف السلطة، استناداً إلى موقفي المبدئي من الكفاح المسلح، باعتباره تحوّلاً في الممارسة إلى نقيض الهدف المبتغى منه.
وفي رأيي الذي أعلنته في مقالات عديدة نشرتها على امتداد الأعوام التي تلت انتفاضة الحجر، فإن تحويل تلك الانتفاضة إلى انتفاضة مسلحة كان خطأ فادحاً دفع الشعب الفلسطيني، ولا يزال يدفع، ثمناً باهظاً له. وهو الموقف الذي أعلنته، بعد تحرير الأرض اللبنانية في عام 2000.
بضرورة تسليم حزب الله سلاحه إلى الدولة، والتحول إلى الإسهام مع القوى السياسية الأخرى في إعادة بناء الدولة التي كانت الحرب الأهلية قد أحدثت فيها وفي مؤسساتها خللاً كبيراً. وكنت أستند في موقفي هذا إلى ما حصل في كل البلدان التي استطاعت بالمقاومة أن تحرر أرضها. إذ تحولت فيها المقاومة بعد التحرير إلى رمز وطني، وتحول المقاومون إلى بناة للدولة.
يبقى السؤال الذي يتعلق بالمستقبل. وهو سؤال لا أجد جواباً حقيقياً عنه في هذه اللحظة الحافلة بالصعاب، وبالمآزق التي ولّدها أصحاب الحقوق لأنفسهم ولشعوبهم، لاسيما في فلسطين، وكذلك في البلدان العربية الأخرى، المعنية بالقضية الفلسطينية أكثر من سواها.
ورغم أن الجواب عن هذا السؤال ما يزال صعباً، إلا أنني ما زلت أثق بالمستقبل، وما زلت متمسكاً بالحلم، الذي سيظل رفيقي إلى آخر لحظة في حياتي، الحلم برؤية الشعب الفلسطيني وقد استعاد أرضه، و استعاد حريته، واستعاد حقوقه، وأقام دولته الوطنية الفلسطينية المستقلة على أرض وطنه فلسطين.
بقلم ـ كريم مروة