تنطلق اليوم في الكويت الدورة البرلمانية الجديدة في أجواء استثنائية، حكومياً ونيابياً، فنُذُر مواجهة لاحت في الأفق فور إعلان نتائج الانتخابات التشريعية يوم 18 مايو الماضي التي أعادت عدداً من الأسماء النيابية صاحبة المواقف الحادة تجاه الحكومة التي أثارت تشكيلتها المعلنة قبل أربعة أيام اعتراضات صاخبة تنذر بموسم نيابي ساخن.
وعلاقة سياسية يكتنفها البرود قد تتحول سريعاً إلى صدام مع انطلاق التهديدات لهذا الوزير أو ذاك فور الإعلان عن الوزارة. كل هذا يتزامن مع تحركات نيابية غير مسبوق لاختيار رئيس لمجلس الأمة (البرلمان) غير الرئيسين المخضرمين المتنافسين: جاسم الخرافي وأحمد السعدون، وأحاديث متناثرة عن توجهات لإنشاء كتل نيابية جديدة في ضوء النتائج التي أفرزتها الانتخابات التي غيرت الهرم السياسي تحت قبة البرلمان وفي الشارع السياسي. تنعقد الجلسة البرلمانية اليوم وسط ترقب لإمكانية تنفيذ عدد من النواب تهديداتهم بالانسحاب من جلسة أداء الوزراء القسم للفريق الحكومي وسط اعتراضات على بعض الوزراء وعلى إعادة تكليف رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الأحمد.
ووسط منافسة غير مسبوقة على رئاسة المجلس التي كانت محصورة خلال العقدين الأخيرين (بعد عودة الحياة البرلمانية في العام 1992) بين السعدون والخرافي، ففي هذه المرة هناك «نغمة» نيابية جديدة عن رئيس توافقي.. مع كسر النائب عبدالله الرومي حاجز «التقليد» السياسي بإعلانه ترشحه للمنصب في منافسة غير مسبوقة.
البحث عن رئيس توافقي
وتشهد الدورة البرلمانية الجديدة حالة سياسية غير مسبوقة منذ سنين، وتتمثل في ظهور منافس جديد على رئاسة المجلس النيابي غير المتنافسين اللدودين: جاسم الخرافي وأحمد السعدون بالتزامن مع توجه نيابي لدعم هذا التغيير.
وأمام محاولات النواب الحصول على تنازله عن الترشح، رفض النائب الخرافي فكرة الرئيس التوافقي لمنصب رئيس مجلس الأمة، مشدداً على أن حسم المناصب ومن بينها الرئاسة يجري داخل قاعة عبدالله السالم (قاعة البرلمان).
وأمام هذه الرغبة النيابية، كانت مفاجأتان: الأولى، إعلان الرئيس أحمد السعدون عدم ترشيح نفسه للرئاسة، والثانية، إعلان النائب عبدالله الرومي الترشح للمنصب. والمفاجأة الأكبر كانت في إعلان السعدون دعمه للرومي.
ولم تتوقف المفاجآت الكويتية عند هذا الأمر، فهذا أحد النواب الكويتيين يقول إن التوجه العام لدى النواب هو عدم العودة إلى الكتل البرلمانية القديمة واستبدالها بكتل أكثر عدداً ويتعزز هذا المنحى في ضوء الانتخابات التي حملت تقدماً كبيراً للتيار الديني، وتحديداً السلفي، وإن بدا مستبعداً أن يشكل نواب هذا التيار تكتلاً موحداً نظراً للاختلافات في الأهداف والأولويات بين السلفيين والإخوان المسلمين.
البرنامج الحكومي.. محور المواجهة
وفور انتهاء الجلسة الافتتاحية اليوم ستتجه الأنظار نحو الاستجواب الأول، ممن وضد من؟ وكيف ستتعامل معه الحكومة؟ المشهد في هذا الشأن يحكمه عنوانان: حكومي عبر عنه رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد بتأكيده على أن حكومته ستولي الاهتمام للقانون والمؤسسات والقضاء على مظاهر الخلل والروتين الإداري.
كاشفاً عن برنامج عمل وفق «إستراتيجية واضحة» يكون واقعياً وشاملا لمقومات التنفيذ، وهو ما أخذه عليه نواب البرلمان المنحل وكان سبباً في أجواء التأزيم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وانتهى بحل البرلمان. ودعا ناصر المحمد وزراءه إلى «العمل بجد دون الخوف من المساءلة السياسية والتهديد بالاستجوابات»، في مقابل توصيته الوزراء إلى «التعاون إلى أقصى مدى مع مجلس الأمة».
أما الشق الخاص بالنواب فيمكن استنباطه من المطالب التي طرحها عدد من النواب والكتل النيابية، ومنها ما قدمتها كتلة العمل الشعب.. فالمطلوب من الحكومة برنامج واضح المعالم محدد التواريخ.
وفي هذا المنحى، كشف النائبان فيصل المسلم ووليد الطبطبائي عن أنهما سيطالبان الحكومة بإعلان موعد لعرض برنامج عملها قبل أداء النواب القسم اليوم، موضحين أن لديهما خيارات أخرى في حال عدم تنفيذ ذلك مثل مقاطعة الجلسة الافتتاحية.
وكشف البراك عن عزم كتلة العمل الشعبي التي ينتمي إليها ويشغل موقع الناطق باسمها مواصلة الدفع بأجندة التنمية التي وصفها بأنها الأساس، لافتاً إلى أن المواطنين وصلوا لمرحلة الألم الذي صاحب التوقف في قضايا التنمية.
وأمام هذه المطالب الملحة التي زادت وطأتها في ضوء تعطل الحياة التشريعية لثلاثة أشهر طالب عدد من النواب بتمديد دور الانعقاد لإقرار القوانين المعطّلة التي كان متفقاً عليها في اللجان البرلمانية قبل قرار حل البرلمان، مثل: تحديد شروط المناصب القيادية، وقانون الذمة المالية، والفحص قبل الزواج، وقانون الحقوق الاجتماعية والمدنية للمرأة. وعكست هذه النوايا رغبة في العمل وتأجيل الصدام مع الحكومة حتى ما بعد العطلة الصيفية، وتقديم الحكومة لبرنامجها.
وفي هذا السياق، رسمت الحركة الدستورية الإسلامية ملامح للمرحلة المقبلة، وإن كان وضعها النيابي تعرض للضعف مع فقدان عدد من نوابها مقاعدهم، وهي ترى ضرورة إعطاء الحكومة الجديدة فرصة كافية للعمل والأداء وعدم الحكم المسبق، مع دعوة مجلس الأمة الجديد إلى التعاون بين السلطتين للخروج من المأزق السياسي الراهن.
ويبقى أي فتيل للأزمة المرتقبة، قربت أو بعدت، رهناً بتقديم الحكومة خطتها وتعهدها بحزمة مشاريع قوانين يرى النواب فيها أولوية مثل: مشكلة التوظيف والإسكان وغلاء الأسعار وفوائد القروض والبدون.
في النهاية، الخروج من المأزق السياسي في الكويت تحدده «المسؤولية»، فأي استفزاز أو تدخل في صلاحيات السلطة الأخرى أو محاولة فرض مشاريع القوانين على وقع مساع لكسب نقاط شعبية من قبل أو حتى الحكومة سيكون مدخلاً لتأزم جديد لا يعرف إلى أين سيقود هذه التجربة الديمقراطية الرائدة.
أرقام نيابية - 4
الحكومة الجديدة هي الرابعة التي يرأسها الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح منذ تعيينه من قبل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح في فبراير 2006 رئيسا للوزراء.
تراجع وتقدم
بحسب نتائج انتخابات 17 مايو تراجعت الحركة الدستورية الإسلامية التي تمثل الإخوان المسلمين من مستوى ستة نواب في المجلس الماضي إلى ثلاثة، فيما تقدمت المجموعة السلفية بشكل كبير وبات لها 10 نواب.
أما كتلة العمل الشعبي التي يرأسها أحمد السعدون فتراجعت ولم يفز من مرشحيها سوى ثلاثة. وفي المقابل حافظ التحالف الوطني الديمقراطي (لليبراليين) على نسبة تمثله هي ثلاثة نواب. أما الشيعة فارتفع تمثيلهم إلى خمسة بينهم اثنان للتحالف الإسلامي الوطني.