برزت دعوة المغرب في ال20 من مارس الماضي الجزائر لفتح الحدود كمنعطف جديد في تاريخ العلاقات بين البلدين بعد مرور 14 سنة على إغلاقها، شكلت القضية الصحراوية خلالها أكبر عوامل الانسداد في العلاقات بين البلدين الشقيقين الجارين.

والسؤال، أليس من الاستراتيجي تجاوب البلدين مع نداء الجغرافيا التي تجمع ولا تفرق.؟ النظرة الجزائرية تفيد بأن الطرف المغربي لا يفتح ملفات أكبر وأهم وأولى من الحدود، لضمان تحسن العلاقات، وارتكازها على تبادل مصالح مشتركة، أمنيا واقتصاديا واستراتيجيا، وتتصدر هذه الملفات، القضية الصحراوية، التي هي الآن محل مفاوضات ثنائية بين المغرب وجبهة بوليساريو، هذا الملف الذي ظل يراوح مكانه لسنوات هو من أكبر عوامل الانسداد.

فيما يرى المغرب أن الجزائر ساندت جبهة «البوليساريو» لتضمن إشغال المغرب عن المطالبة بمنطقة تيندوف الجزائرية، لتدخل العلاقات بين بلدين شقيقين، في سياق التوتر الدائم بدل الوئام والتعاون،، الذي لم يعرف على مدى أربعين عاما اختراقا، إلا لسنوات قليلة.

وجاءت دعوة المغرب لفتح الحدود كمنعطف جديد في تاريخ العلاقات بين البلدين بعد مرور 14 سنة على غلق حدود في الواقع لم توصد إلا في وجه الشعبين فيما ظلت قوافل المهربين تجوب البلدين عابرة الحدود غير معنية بقرار الغلق.

ويأتي الرد الجزائري على خلفية بيان سابق للخارجية المغربية دعت فيه إلى استئناف تطبيع العلاقات وفتح الحدود، ومفاد ذلك أن لا وقت الآن للدخول في أي حوار حول هذه القضية. لكن متى كان الوقت يضغط في اتجاه مغاير لرغبات الشعوب؟

وحتى في حال الاستسلام لوجود خلافات جوهرية عميقة هل يكون دور الحكومات هو الإذعان لهذا الواقع، أم العمل من أجل تجاوزه، خصوصاً حين يكون استثناء ضمن منظومة العلاقات العادية بين الدول؟

ويتداعى نفوذ الخلافات بين الجزائر والمغرب نحو ملفات وقضايا عدة، ليس أقلها تباين المواقف من تطورات قضية الصحراء واشكالات معاودة بناء الثقة والإصرار على إبقاء الاتحاد المغاربي معلقاً ولا شيء يحول دون بداية حوار صريح حول هذه القضايا في حال توفرت الإرادة السياسية.

وإذا لم يكن وارداً الانكباب على التعاطي مع هذه الاشكالات أو بعضها لاعتبارات سياسية فلا أقل من الاستجابة لطلبات الشعوب والانصات إلى نبضها الذي يفوق صداه أجراس الخيبة. ولا أقل من أن تتسلح الأجيال الجديدة بما ينعش الآمال في أحياء التزامات مؤتمر طنجة قبل أربعين سنة خلت.

خلاف الحدود يعمق أزمة الصحراء

بدأ الخلاف بين البلدين أساساً حول مسألة الحدود الذي دافعت فيه الجزائر عن حدودها كما تركها الإستعمار الفرنسي وفقاً لمبدأ قدسية الحدود الموروثة عن الإستعمار، الذي تتبناه أيضاً منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي) في ميثاقها وذلك عندما طالب المغرب بحدوده كما كانت قبل مجيء هذا الإستعمار، والتي تمثل معاهدة لالا مغنية 18 مارس 1845 إطاراً مرجعياً لها.

نصت تلك المعاهدة على استمرارية الحدود التي كانت بين مراكش والجزائر التابعة للسلطة العثمانية لتصبح هي الحدود بين المغرب والجزائر، إلا أن الإتفاقية أبقت منطقة الصحراء في الجنوب في وضعية غامضة. وقد تلت هذه الإتفاقية عدة اتفاقات أسست للحدود بين البلدين. فبمجرد أن نالت الجزائر حريتها حتى اندلعت مواجهات عسكرية عرفت بحرب الرمال في عام 1963 تم إحتواؤها بفضل الوساطات الدولية.

وخلافا لما كان متوقعاً في بداية عهدي كل من الملك محمد السادس في المغرب والرئيس عبد العزيز بوتفليقه في الجزائر اتجهت العلاقات بين البلدين نحو مزيدٍ من الاضطراب بدلاً من أن تتجه نحو الانفراج والتكامل، برغم فتراتٍ قصيرةٍ من التحسّن أعطت إشارات تفاؤل في البلدين.

فالرباط أعلنت عدة مرات رفضها خطة الأمم المتحدة لحل قضية الصحراء معتبرة أن الاستفتاء في تلك المنطقة تجاوزه الزمن مقترحةً حكماً ذاتيا واسعا في إطار السيادة المغربية، في حين تصرّ الجزائر على الاستفتاء وترى أن القضية من قضايا تصفية الاستعمار.

المصالح الدوليّة تعرقل الحل

ولا ينبغي ألا نغفل دور المصالح الدولية في استمرار الخلافات بين الجانبين حيث ارتكزت سياسات القوى الدولية تجاه المنطقة المغاربية على التحكم في العلاقات المغربية الجزائرية، والموازنة بين طرفي هذه العلاقات، سواء أثناء الحرب الباردة أو ما بعدها.

وذلك بحسب الأولوية المحدّدة من طرف القوى الأجنبيّة والتي ترى في المنطقة خزاناً نفطياً (الجزائر) وموقعاً إستراتيجياً (المغرب) فضلا عن كونها سوقاً للسلاح بامتياز، وهي اعتبارات عززها الماضي الاستعماري لفرنسا التي كانت تعتبر المنطقة مجال نفوذ تقليدي لها.

ورغم انهيار الاتحاد السوفيتي فإن رياح الحرب الباردة لم تغادر المنطقة حيث حافظت الجزائر على علاقتها العسكرية الإستراتيجية مع روسيا، واستمرت هذه الأخيرة في تبني الأطروحة الجزائرية بخصوص نزاع الصحراء داخل مجلس الأمن.

وفي المقابل نجد الولايات المتحدة أكثر مراعاة للمطالب المغربية بخصوص النزاع، رغم بروز نزعة توظيفية لهذا الأمر من أجل فتح البوابة العسكرية الجزائرية. ومن ثم أصبحت قضية الصحراء أداة لتعميق الخلافات.

سباق التسلح يهدد المنطقة

ولعل الوجه الأشد قتامة في هذا الصراع الذي اختارت الدول الكبرى عدم حسمه وتركه معلقاً هو حمى التسلح، فالمنطقة سوق كبيرة للسلاح، وهو ما يفسر من دون شك اعتماد كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، كذلك فرنسا، على المفعول السحري لشعرة معاوية في التعامل مع المغرب والجزائر.

وللأسف فإن العتاد والسلاح تقع تبعاته على المواطنين خصوصاً في الجزائر التي امتلأت خزينتها بالعملة الصعبة بما يقدر بـ 80 مليار دولار خلال سنوات الطفرة النفطية الثانية، وقد رأت الحكومة الجزائرية أن تدفعها في صفقات بالمليارات لشراء الأسلحة الروسية.

والغريب أن هذه العدة الضخمة هي في جزء منها فاسدة ما جعل الجزائر تعيد أربع طائرات مروحية مؤخراً وتهدد بإعادة النظر في علاقاتها مع ممولها التقليدي، إلا أن روسيا تشفعت كما يبدو، وأكدت وقوع خطأ ما وستزود حليفتها بأسلحة أكثر تطوراً وأحسن صنعاً.

تجميد الاتحاد المغاربي

وفي ظل هذه الأجواء التي حاول قادة البلدين تجاوزهالم يطرأ تحسن ملحوظ على الاتحاد المغاربي مؤسسياً وسياسياً منذ تجمّدت اجتماعات القمة عام 1994، فبجانب العوامل البنيوية التي حالت دون تطور الاتحاد وعلى رأسها ضعف التبادل التجاري بين بلدانه الخمسة.

جاءت بعض التطورات الإقليمية لتزيد من حدة الأزمات السياسية بين أطراف الاتحاد مع محاولة كل دولة الزج بالاتحاد في هذه الأزمات للحصول على تأييده. فليبيا التي لم تتوصل إلى حل لمشكلة لوكيربي إلا في بدايات عام 2002 أعلنت غضبها من دول الاتحاد التي لم تقف بجوارها في مواجهة الضغوط البريطانية والأميركية.

واتجهت نحو الاهتمام بالاتحاد الإفريقي الوليد بدلاً من بذل الجهد لرأب الصدع في الاتحاد المغاربي، وعلى الجانب الآخر اعتبر المغرب موقف ليبيا الداعي إلى حل مشكلة الصحراء عبر إجراء مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، بمثابة اقتراب من الموقف الجزائري ومن ثم كان من الطبيعي أن تؤثر هذه المواقف على محاولات تفعيل دور الاتحاد.

مما ساعد القوى الدولية والاتحاد الأوروبي في تفعيل دور اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي تسعى لربط شمال وجنوب البحر المتوسط باتفاقيات ونظم أمنية وسياسية تسعى لمحاربة الهجرة غير الشرعية من دول المغرب العربي ومكافحة الإرهاب مقابل دعم تنموي اقتصادي مشروط، وكذلك تفعيل واشنطن لدورها من خلال حلف شمال الأطلسي «الناتو» الذي يشارك في مناورات عسكرية مستمرة مع دول المغرب العربي.

تسلسل التقارب والتوتر

* مارس 1845: معاهدة لالا مغنية التي شكلت الإطار المرجعي للحدود بين الجزائر والمغرب.

* أكتوبر 1963: حرب الرمال بين البلدين.

* أكتوبر 1974: الرئيس الجزائري الهواري بومدين يعلن في القمة العربية بالرباط تأييد بلاده للحق المغربي في الصحراء.

* 1967: الرباط تلجأ إلى هيئة الأمم المتحدة لوضع حل نهائي لقضية الصحراء

* 1989: تشكل لجنة مغاربية في قمة زرالدة في الجزائر وتأسيس الاتحاد المغاربي

* أغسطس 1994: أحداث فندق أطلس اسني بمراكش وفرض المغرب التأشيرة على الجزائريين ورد هذه الأخيرة بغلق الحدود.

* سبتمبر 1999: اتهام الجزائر الرباط بإيوائها الجماعات المتطرفة بعد أحداث بني ونيف .

* يونيو 2004: المغرب يقرر إلغاء تأشيرة الدخول على الجزائريين .

* مارس 2005: الملك المغربي يحضر القمة العربية بالجزائر.

* ابريل2005: الجزائر تلغي فرض التأشيرة على الرعايا المغاربة.

* مايو 2005: إلغاء القمة المغاربية في ليبيا بعد توتر بين الجزائر والمغرب.

الخلاف يعكر احتفال طنجة

عكر خلاف بين رئيس الوزراء الجزائري عبد العزيز بلخادم ووزير الدولة المغربي محمد اليازغي حول الصحراء الغربية صفو الاحتفال بالذكرى الخمسين لمؤتمر الأحزاب المغاربية الذي عقد في طنجة في ابريل الماضي.

ففي كلمة ألقاها خلال اجتماع في طنجة شارك فيه مسؤولو الأحزاب السياسية الحاكمة في الدول الخمس التي تشكل اتحاد المغرب العربي دعا الوزير المغربي الاشتراكي القادة المغاربة وبالخصوص الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى دعم المشروع المغربي«لإخراج قضية الصحراء من المأزق».

وأثارت هذه الدعوة غضب بلخادم الذي رد بحدة قائلا إن «الجزائر كانت دائما منذ استقلالها تدافع عن القضايا العادلة وحركات التحرير الوطني في موزمبيق وانغولا وحتى في جوارها» في إشارة إلى دعم بلاده الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو). قبل أن يقاطعه الحضور مرددين «الصحراء مغربية».