لا يعرف حلاوة طعم الوحدة سوى من ذاق مرارة وعلقم التجزئة والتشطير، فهناك أجيال من اليمنيين بذلت أرواحها وأراقت دماءها لتحافظ على حلم الوحدة وحضوره في عقل وقلب الوطن، في زمن لم تكن السيادة فيه إلا للانفصاليين في الشمال والجنوب.
والآن واليمنيون يحتفلون بالذكرى الثامنة عشرة لقيام أول دولة وحدوية في تاريخهم المعاصر، تفرض وجوه مضيئة حضورها في المشهد العربي اليمني في مقدمتهم الثوار في الشطرين الذين حرروا اليمن من دنس الاحتلال وأزالوا حكما بائدا عفى عليه الزمن، وصادر حق الشعب في الاستنارة والتحديث والشراكة في الثروة والوطن.
والشاهد أن مصر الثورة بزعامة جمال عبد الناصر كانت في قلب الحدث الثوري اليمني، واختلطت دماء المصريين بدماء أشقائهم في اليمن من اجل التحرير والوحدة، وتحفظ صنعاء أسماء الشهداء المصريين في قلبها وعلى نصب تذكاري يشهد على توأمة النضال في البلدين.
رغم أن أصوات المرجفين علت بالضجيج بعد رحيل عبد الناصر لتهيل التراب على هذه التوأمة بين الثورتين، وتعتبرها سببا في هزيمة العرب أمام إسرائيل عام 1967.
على أن تاريخ الحركة الطلابية اليمنية يشهد بهذه التوأمة مع أشقائهم في مصر من كل التيارات، اقصد تلك الفاعلة على مسار التحرر الوطني وتحقيق الوحدة العربية، واعتبار استعادة اليمن السعيد لوحدته مقدمة ضرورية.
ومن صفوفهم برزت قيادات في الشطرين قادت مسيرة الوحدة، رغم توزعهم على الخريطة الحزبية بين الانتماء إلى المؤتمر الشعبي أو التنظيم الناصري أو الحزب الاشتراكي.
وفي مقدمة هؤلاء الشهيد عيسى سيف الذي قاد محاولة وحدوية أجهضت في مهدها، وقبله الشهيد الضابط الوحدوي الرئيس إبراهيم الحمدي الذي مازال اغتياله لغزا يبحث عن حل.
واختمرت أفكار الثورة والنضال حتى تحقق حلم الوحدة اليمنية عام1990، لكن وفقا لقانون التحدي والاستجابة، تعرضت دولة الوحدة لاختبار عسير وتحدٍ مزدوج من الخارج والداخل واشتعلت الخلافات بين جناحي الدولة واندلعت حرب صيف 1994، بانتصار الوحدة.
والحاصل أن التحديات لم تتوقف بل تسارعت وتيرتها بسبب تراكم الأخطاء، وعدم الاستفادة من دروس الماضي القريب، وعادت أشباح التنازع بين المناطق والولاءات للقبيلة تهدد وحدة الوطن والانتماء لليمن الموحد.
وتفرض هذه التحديات ضرورة تسريع عجلة تطويق هذه الأخطاء وتذويب التناقضات، ولن يتم ذلك إلا عبر إشاعة حكم القانون والحوار الوطني الفعال وإعلاء الوطن الموحد على كل ما عداه من ولاءات.