مع تولي ديمتري مدفيديف مقاليد الرئاسة الروسية، تدخل روسيا مرحلة جديدة تمتاز بثنائية القيادة: مدفيديف- بوتين بعد أن ظل الأخير مهيمنا على الساحة السياسية خلال السنوات الثماني الماضية على مدى ولايتين رئاسيتين. فعلى مدى الشهور الماضية ومنذ اللحظة التي خرجت فيها صفقة تقاسم السلطة بين الرجلين في ديسمبر الماضي إلى العلن، تراكمت الشواهد على أن بوتين، رجل روسيا القوي، يعمل على الاستحواذ على مصادر القوة تنفيذية كانت أم تشريعية مما يجعل من موقعه معادلا لموقع الرئيس.
والسؤال الذي حار المحللون في الاجابة عليه لا ينبع فقط من ماضي العلاقة التي جمعت الرجلين والتي تمتد على مدى عقدين من الزمان والتي لعب فيها بوتين دائما دور الرئيس والراعي، والذي بلغ ذروته بترشيحه مدفيديف لخلافته على مقعد الرئاسة. ووصف مركز روسيا للدراسات السياسية المعاصرة هذه التطورات بأنها «عملية توزيع ناعمة للقوة بين الرئيس ورئيس الوزراء». وأضاف المركز « للمرة الأولى في تاريخ روسيا، ما بعد الاتحاد السوفيتي، يتحول منصب رئيس الوزراء من منصب فني إلى مركز حقيقي لصنع القرار».
وربما عكست تصريحات الرئيس المنتخب مدفيديف، هذا الوضع القلق حيث تعهد في مطلع مارس بالسير على نهج بوتين لكنه أكد في الوقت نفسه على استقلاله كرئيس. وينحصر مستقبل العلاقة بين الرجلين وانعكاساتها على السياسة الروسية في سيناريوهين اثنين تنبأ بها المراقبون للشأن الروسي أول هذه السيناريوهات هي التي يقود بوتين فيها العجلة الروسية من المقعد الخلفي، ليتصدر مدفيديف الواجهة كرئيس رمزي دون فعالية حقيقية في إدارة دفة الأمور..
إلا أن معظم المؤشرات تستبعد هذا الاحتمال فمنصب الرئاسة يحوز في الدستور الروسي على قوة لا تعادلها أي قوة أخرى وتاريخ السلطة في روسيا مرتبط بالكرملين، إضافة إلى أن مدفيديف شاب لامع يتمتع بالكفاءة والمهارة. السيناريو الثاني هو أن تمضي علاقة الرجلين في تناغم استنادا إلى الصداقة التي جمعت بينهما على مدى عقدين من الزمان مارسا فيها العمل المشترك في أكثر من موقع، وان بوتين لم يكن ليختار مدفيديف لخلافته ما لم يكن واثقا من إمكانية العمل المشترك معه.
وقد أكد الرجلان في أكثر من مناسبة على أنها في توافق تام فيما يتعلق بإدارة شؤون البلاد. وفي ظل هذا التصور، ستختص الرئاسة برسم السياسة الخارجية للبلاد. إلا أن المشككين في هذا التصور يقولون إن النظام السياسي الروسي لم يعرف في تاريخه حكما «برأسين»، ويؤكدون أن وضعا كهذا حتما سيقود إلى الصدام، وهو ما يقودنا إلى السيناريو الثالث.
من يرجحون هذا السيناريو يرون فيما يقوم به بوتين من تعزيز سلطات رئيس الوزراء بمثابة انقلاب على روح الدستور دون المساس بنصه، وان ثنائية القيادة ستفضي حتما إلى تنازع على السلطات أو بتعبير آخر صراع على السلطة. ومن الصعوبة الجزم بالسيناريو الذي ستتخذه الأمور في روسيا، لان الأمر يتعلق بمستقبل العلاقة بين الرجلين، والى أي مدى سيذهب إليه مدفيديف في تفعيل صلاحياته الرئاسية.
(أ.ف.ب)