صنعت قرية «بيبان صالح» الصغيرة بولاية تيارت الجزائرية أول من أمس الحدث حين ثار سكانها وواجهوا تعزيزات أمنية غير مسبوقة بعد تشييع ثمانية من شبابها غرقوا في عرض البحر خلال رحلة فاشلة إلى أوروبا.
وحضر آلاف من سكان القرية الغارقة في الفقر والبلدات والمدن المجاورة لها وساروا في مواكب مهيبة إلى المقبرة ودفنوا موتاهم وقرأوا فاتحة الكتاب ودعوا لهم بالرحمة والغفران.. بعدها مباشرة تعالت أصوات الغضب والاحتجاج وانقسمت الجموع إلى مجموعات وضعت المتاريس على الطريق العام ورفعت شعارات معادية للسلطات المحلية التي يقول المحتجون إن تقصيرها وإهمالها هو السبب للجوء الشباب إلى «قوارب الموت» هرباً من جحيم الفقر المدقع الذي يعيشونه.
وتدخلت قوات من الدرك الوطني قوامها حسب شهود من القرية 200 رجل مدججين بالسلاح وطاردوا المحتجين واعتقلوا عدداً منهم. وبلغ الغضب حد الهستيريا حين حاول شقيق أحد الضحايا الانتحار من عمود كهربائي عالي الضغط لجأ إليه هرباً من مطاردة الدرك. فأقدمت إدارة شركة الكهرباء على قطه التيار على المنطقة كلها لتفادي موت الشاب.
وفي مدينة تيارت وهي مدينة متوسطة يقطنها نحو 150 ألف نسمة نظم آلاف من سكان المدينة مسيرة صامتة واعتصموا أمام مقر الوالي مطالبين بلقاء المسؤولين لشرح الأوضاع التي دفعت 16 شاباً من الولاية إلى الهجرة السرية ليلة الجمعة إلى السبت الماضيين وغرقهم جميعاً، ولطرح المشاكل التي يعاني منها السكان لاسيما الفقر والبطالة المنتشرة في أوساط مختلف فئات المجتمع.
وتدخلت شرطة مكافحة الشغب لتفريق المحتجين واستعملت القنابل المسيلة للدموع والعصي وأصيب عدد من الغاضبين بجروح كما اعتقل نحو عشرين حسب تقديرات محلية.
وانتشر الغاضبون في أحياء المدينة وأضرموا النار في العجلات المطاطية وقطعوا الطرق وأغلقت المحلات التجارية أبوابها وتحولت تيارت إلى مدينة أشباح. وكان 16 شاباً من الولاية تتراوح أعمارهم بين 20 و 25 سنة قد أبحروا باتجاه أوروبا آخر الأسبوع الماضي على متن قاربين من نوع (زودياكّ) لكن الرحلة فشلت وتوفي الجميع غرقاً.
وصادف الحادث بث التلفزيون الجزائري حصة بعنوان (يحدث عندنا) نشطها المدير العام للمؤسسة حمراوي حبيب شوقي، تناولت موضوع (الحراقة) وهو الاسم الذي يطلق على المهاجرين السريين في الجزر وركزت على ولاية تيارت وهي من أكثر ولايات البلاد فقراً وتحدث عدد من شبابها أمام الكاميرا عن معاناتهم وعن قرارهم بالهجرة وتبني شعار يردده الشباب الجزائري كثيراً في السنوات الأخيرة «يأكلني الحوت ولا يأكلني الدود» ويقصدون بالدود هنا الفقر.