أخذت أزمة الخبز في مصر منحى جديدا بعد تحذيرات الخبراء من تحولها إلى «اقتتال اجتماعي» في ظل الارتفاع المضطرد للأسعار، و«عشوائية» الحلول الحكومية، مما أثار التساؤلات عن مستقبل حكومة الدكتور أحمد نظيف المتهمة بالفشل في مواجهة الأزمة الاقتصادية وضبط الأسعار.

لا يكاد يمر يوم من دون أن تنشر الصحف المصرية أنباء عن مقتل أو جرح مواطنين جراء مشاحنات عنيفة في طوابير أفران «الخبز المدعم» ذي القروش الخمسة (أقل من سنت)، بعدما ضربت أزمة شح الرغيف الأسر المصرية، مع القفزة المفاجئة للأسعار في أسواق القمح العالمية، حيث تواجه قطاعات عريضة من الشعب المصري خاصة الفقراء أزمة متفاقمة تتعلق بشح رغيف الخبز، وباتت الطوابير الطويلة أمام المخابز منظرا مألوفا منذ بداية مارس الماضي، ومازالت مستمرة مع تراجع وتيرتها بوعود الدكتور نظيف بحل نهائي مع نهاية شهر ابريل الجاري.

«البيان» طرحت سؤال الأزمة الغير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث على خبراء وقيادات سياسية مستقلة وحكومية، للتعرف على ما وراء طوابير الخبز، وأسباب شح الرغيف، وكيفية معالجة الأزمة.

وزير الاقتصاد السابق: استخدام الخبز علفا للماشية احد الأسباب

في البداية ، أعرب وزير الاقتصاد المصري الأسبق ورئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب حاليا (لبرلمان المصر)الدكتور مصطفي السعيد، عن اعتقاده بأن السبب الرئيس لأزمة رغيف الخبز في مصر ترجع إلي الفارق الضخم الذي يتزايد بين السعر المدعم للدقيق الذي تقدمه الحكومة للمخابز وسعر السوق وهو ما يؤدي إلى أن المتعاملين في سوف الخبز غير راغبين في استخدامه في صناعة الخبز المدعم ويتم تسريبه للبيع في السوق.

ويضيف«كما أن إقدام المستهلك على استخدام الخبز ليس فقط للغذاء الآدمي وإنما استخدامه كعلف للماشية أو الدواجن وذلك بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف فسعر طن الخبز المدعم حوالي 500 جنيه في حين أن سعر طن العلف 2500 جنيه، فهناك حوافز مستمرة لاستخدام الدقيق في غير الاستخدام المخصص له. ولذلك ظهرت هذه الأزمة الطاحنة للخبز رغم أن الكميات التي توفرها الدولة من الدقيق تكفي لسد احتياجات المواطنين إذا ما استخدمت الاستخدام الصحيح».

وقال «إن حل هذه الأزمة من الناحية الفنية والاقتصادية سهل وهو أن يتم رفع سعر الدعم ومساواة الأسعار بسعر السوق إلا أن ذلك سيكون له نتائج سياسية واجتماعية سلبية كبيرة أما الحل الثاني فهو أن يتم التشدد في توزيع الخبز والتأكد من أن الخبز المدعم يذهب لمستحقيه ولا يتم بيعه في السوق السوداء ولا يتم استخدامه كماشية للحيوان أو الدواجن» .

الغندور: سياسات خاطئة ورفع السعر سيؤدي

إلى انتفاضة

ومن جهته، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة وعميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق الدكتور أحمد الغندور، أن أزمة الخبز ترجع إلى النقص الشديد في كميات الدقيق والقمح المستورد والسياسات الخاطئة التي اتبعتها الحكومة في بداية الأزمة، وأن الحكومة أعلنت في بداية الأزمة اعتزامها عدم شراء القمح من الفلاحين على اعتبار أن القمح المستورد من الخارج أرخص من السعر المحلي، وهو ما جعل الفلاحون يتجهون إلي استخدام القمح كعلف للماشية، ثم اكتشفت الحكومة فيما بعد ارتفاع الأسعار العالمية وتزايدها أضعاف السعر العالمي، وعندما عادت لشراء القمح المحلي كان قد تسرب منه أغلبه واستخدم كعلف للماشية .

وأضاف الغندور أن لجوء الحكومة إلى مطاحن القطاع الخاص لطحن القمح، وهو ما أدى الى ارتفاع تكاليفه كما أن مطاحن القطاع الخاص انتاجها من الدقيق، يكون استخراج دقيقها 72 في المائة وهو المخصص للعيش الافرنجى «الفينو» الغاتوهات والحلوى علي حساب العيش البلدي المدعم والذي يتطلب دقيق استخراج 82 في المائة أيضا عدم وجود رقابة علي المخابز يؤدي الي تسرب الدقيق وتسرب الخبز إلي المطاعم وعربيات الفول والكافتيريات بأسعار مضاعفه للسعر المدعم .

وانتقد الغندور اتجاه الحكومة حل الأزمة عن طريق فصل الإنتاج عن التوزيع وهو أمر غير سليم، على اعتبار أن الإنتاج والتوزيع بيد المخبز ولا توجد جهة محايدة للقيام بذلك، وهو ما جعلها بناء على توجيهات الرئيس مبارك الاستعانة بالقوات المسلحة والإنتاج الحربي والداخلية لإنتاج خطوط كاملة لإنتاج الخبز وتوزيعه .

وأكد الدكتور أحمد الغندور أن الدعم المقدم للخبز قد تزايد بفعل ارتفاع الأسعار العالمية من 5ر9 مليار جنيه إلي 15 مليار جنيه وأن المتسرب من الدقيق والخبز المدعوم حوالي 30 في المئة من قيمة الدعم المقدم إلي السوق السوداء أي 5 مليارات جنيه. (الدولار الأميركي يساوى 5 .5 جنيه مصري).

وحذر من أن زيادة سعر الرغيف المدعم، والذي لم يتجاوز ثمنه خمسة قروش منذ 20 عاما، قد يؤدي إلى ثورة شعبية في ظل عدم زيادة الأجور، على غرار «انتفاضة الخبز» التي شهدتها مصر في العام 1977 .ولفت إلى أن ارتفاع أسعار القمح عالميا السبب في غلاء ما كان يسمى بـ «الرغيف السياحي» من 10 ـ 20 قرشا إلى 75و100 قرش، وهو ما دفع بمستهلكيه إلى التحول صوب الرغيف المدعم .

قنديل: التغيير الوزاري آت بعد انتخابات المحليات

القيادي في حركة كفاية عبد الحليم قنديل رأى إن أزمة الخبز والغلاء «مسؤولية عهد كامل وليست أزمة حكومة، وإن الأزمة ستعجل بما هو أبعد من مجرد تغيير وزاري».

واعتبر قنديل تدخل جهاز الخدمات العامة التابع للجيش المصري في علاج أزمة الخبز «إعلانا صريحا بفشل الأجهزة المعنية في مواجهة مسؤولياتها».

وتبنى الزميل ممدوح الولي المحرر الاقتصادي في صحيفة «الأهرام» رأيا مماثلا و أعرب عن اعتقاده أن التعديل الوزاري «آت لا محالة وأنه سيجري بعد انتهاء انتخابات المجالس المحلية في الثامن من أبريل» ولكنه توقع أن «تبقى المجموعة الاقتصادية في الحكومة في حال حدوث أي تعديل لأنها مقربة من جمال نجل الرئيس مبارك، وتتمتع أيضا برضاء أميركي وغربي».

ورأى أن «التعديل لن يكون حقيقيا وإنما لخداع رجل الشارع بأن هناك محاولة لتغيير السياسات الاقتصادية» مما يعني أن أي حكومة قادمة ستواجه المصير نفسه.

ومن جانبه، رفض رئيس الشعبة العامة للمخابز باتحاد الغرف التجارية المصرية عبدالله غراب، الاتجاه القائم بتحميل أصحاب المخابز المسؤولية وجعلها كبش الفداء لسياسات الحكومة. وقال «أنا لا استبعد أن يتحمل أصحاب المخابز جزءا من المسؤولية وأن فيهم من يسئ استخدام التسهيلات التي تمنحها الحكومة لتحقيق المزيد من الأرباح فأصحاب المخابز مثل أي فئة في المجتمع فيهم الصالح ومنهم الطالح ولا يجب أن نعمم الأحكام علي الجميع» .

أما رئيس الكتلة البرلمانية لجماعة «الإخوان المسلمين» في مجلس الشعب المصري (البرلمان)الدكتور سعد الكتاتني، فقد حمل بشدة على الحكومة وعلى سياستها الخاطئة التي أدت إلى ما يشبه الانهيار الاقتصادي .

من جانبه، أكد الناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء المصري الدكتور مجدي راضي، على أن الحكومة تقوم بواجبها حيال تأمين وتوفير الخبز من خلال دعم الرغيف بنحو 15 مليار جنيه مصري، عبر منح الدقيق لأصحاب المخابز مباشرة بسعر منخفض فضلا عن منحها صلاحيات واسعة للمحافظين لضبط وضمان توزيع هذه المادة الغذائية الرئيسة بصورة عادلة على المواطنين.

مشيرا الى توجه الحكومة مؤخرا للاستعانة بكافة الإمكانيات المتاحة ومنها وزارة الدفاع من خلال جهاز الخدمات العامة وزارة الإنتاج الحربي ووزارة الداخلية لإنتاج خطوط إنتاجية جدية للمخابز وزيادة المعروض من الخبز بمضاعفة أعداد الخابز ورفع سعر شراء القمح المحلي لجعله أكثر جاذبية للفلاح وترغيبه في البيع وتشديد الرقابة علي المخابز وعلي أماكن توزيع الخبز .

وأكد راضي أن هذا الغلاء الذي تشهده الأسواق المصرية في السلع والخدمات إنما ناجم عن ارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية مثل سعر القمح الذي تعتبر مصر اكبر مستورد له على مستوى العالم.

مصيلحي يتراجع عن إلغاء دعم الرغيف

في بداية الأزمة اعتبر وزير التضامن الاجتماعي د. علي مصيلحي، أن توحيد سعر الدقيق وبيعه لأصحاب المخابز بسعر السوق المحلية ورفع الدعم عنه بمثابة الحل الأمثل للقضاء نهائيًا على مشكلة تسرب الدقيق المدعم وبيعه في السوق السوداء.

وأضاف أن تنفيذ ذلك يستلزم الاستعانة بعدة شركات يكون من مهامها استلام الخبز والتحقق من جودته وتوزيعه كما الحال في مشروع فصل الإنتاج عن التوزيع للخبز البلدي الذي تم تنفيذه في عدة مناطق متفرقة بالقاهرة والجيزة.

ومع تصاعد الأزمة، ومطالبة مخابز الجيش بالتدخل وسد ثغرات الفساد، تراجع مصيلحى عن تصريحاته، وشدد على بقاء الدعم وتوفير الرغيف بسعر خمسة قروش. وبشر بان الأزمة ستحل خلال أسابيع. واعترف بوجود فساد يسرق الدعم ، وانه تم تسجيل أكثر من 12 ألف حالة تلاعب بحصص الدقيق المدعوم (ثمن الجوال 14 جنيها، يباع في السوق السوداء بـ 160 جنيها).

القاهرة ـ «البيان»: