تعمل لوريت بعيني أكثر من عشر ساعات يومياً ستة أيام في الأسبوع براتب يبلغ 400 دولار أميركي بالكاد يكفي لتسديد المصاريف الأساسية ويتبخر غالباً بعد يومين من انتهاء الشهر.

وهي على غرار شريحة واسعة من اللبنانيين تأثرت إلى حد كبير بالأزمة المعيشية في لبنان الناجمة عن التوتر السياسي وارتفاع أسعار الاستهلاك عالميا. وتقول لوريت (40 عاماً) التي تقيم في جونيه (شرق بيروت) بعد أن تشكر الله «رغم كل شيء»، انها الغت موعدا الشهر الماضي مع طبيبها، «لأنه لم يكن معي ليرة واحدة لأدفع له».

وتعمل لوريت منذ أكثر من خمسة عشر عاما في صالون لتصفيف الشعر وتصرف على المنزل لأن شقيقها وشقيقتها عاطلان عن العمل.ويضطر عدد كبير من اللبنانيين إلى القيام بعمل ثان لتأمين معيشتهم.

وجاء في دراسة أعدها برنامج الأمم المتحدة للتنمية بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية ودائرة الإحصاء المركزي ونشرت أخيراً أن حوالي مليون لبناني، أي ما يشكل تقريبا 28% من السكان، يعيشون تحت خط الفقر.

وتوقف التقرير عند الفروقات الاجتماعية الكبيرة بين اللبنانيين، مشيرا إلى أن 20% من الأقل فقراً ينفقون حوالي 7% من مجمل الاستهلاك في البلاد، بينما 20% من الأكثر ثراء يصرفون 43% من مجموع الاستهلاك.

ولم يطرأ أي تعديل على الرواتب في لبنان منذ 1996، بينما تؤكد الدراسات والوقائع على الأرض ارتفاع الأسعار بشكل كبير، بتأثير غلاء النفط والمواد الاستهلاكية عالميا وبتأثير الأزمة السياسية القائمة في لبنان منذ أكثر من سنة.

وأعلنت جمعية المستهلك أخيراً ان ارتفاع الأسعار في الأشهر الاثني عشر الأخيرة بلغت نسبته 03, 43%، ما يعني ان القدرة الشرائية للرواتب تآكلت بنسبة النصف تقريبا.

وذكر مؤشر المستهلك الصادر عن الجمعية ان أسعار الخضار ارتفعت بنسبة 73, 28%، واللحوم بنسبة 07, 14%. وارتفعت كذلك أسعار الخدمات والكهرباء والمشتقات النفطية. وكل ذلك دفع النقابات والاتحادات العمالية إلى بدء سلسلة تحركات احتجاجية بينها إضراب نفذه القطاع التعليمي الأربعاء الماضي وسبقه قبل أسابيع إضراب للقطاع الزراعي وسائقي النقل العام وإضراب عام دعا إليه الاتحاد العمالي العام في السابع من مايو. والمطلب الأساسي يتمحور حول تصحيح الرواتب والأجور.

ويقول وزير المال جهاد ازعور ان «الأسعار ارتفعت من دون شك كما هي الحال في كل دول العالم وكان لها تأثير على القدرة الشرائية. الا ان هذا التأثير في لبنان اقل من غيره بسبب امتصاص الدولة لارتفاع أسعار النفط وغيرها». وتدعم الدولة في لبنان المازوت والمشتقات النفطية والطحين المعد لتصنيع الخبز. وقال ازعور ان «رفع الأجور في لبنان سيكون له انعكاس على الأسعار. والمطلوب هو رفع الانتاجية وزيادة فرص العمل لتنشيط الدورة الاقتصادية».

وأشار إلى ان ذلك لا يعني عدم تعديل الأجور، لاسيما مطلب رفع الحد الأدنى الذي يبلغ ثلاثمئة الف ليرة لبنانية (200 دولار). إلا انه تحدث عن «ضرورة حصول اتفاق بين أرباب العمل والعمال» حول هذا الموضوع. وقال ازعور ان الحكومة ترعى حوارا بين القطاع العمالي وأرباب العمل، «انما في كل مرة يحصل تقارب، تتشنج المواقف لأسباب اجهلها»، مرجحا تدخل السياسة.

وتقول لوريت انها تتحمل أيضا جزءا من مصاريف والديها اللذين يقيمان في سهل البقاع (شرق لبنان) ويهتمان بزراعة قطعة أرض صغيرة. و«البقشيش» الذي تحصل عليه أحيانا من الزبونات يساعدها في تأمين حاجاتها وحاجات عائلتها الأساسية، «لكنني محرومة من كل شيء (...) توفي عمي قبل فترة، واضطررت لأن اشتري ملابس سوداء للمأتم بالتقسيط من محل يعرفني صاحبه وتفهم وضعي». (ا.ف.ب)