كثفت قوات الأمن المصرية أمس الأحد من حشودها الأمنية في وسط القاهرة وميادينها الرئيسة والمصالح الحيوية، بهدف مواجهة وإحباط أي محاولة لإضراب عام في البلاد دعت إليه القوى السياسية والأحزاب المعارضة في مصر احتجاجاً على موجة الغلاء في البلاد..

وفيما اعتبر مراقبون أن إحجام المواطنين المصريين عن النزول إلى الشارع أو العمل، يمثل استجابة جزئية، رأى آخرون أن الخوف من حدوث تظاهرات واحتكاكات بين قوات الأمن المصرية حال حدوث تظاهرات كان الدافع الرئيس لإحجامهم عن النزول للشارع أو لأعمالهم، كما أجبرت كثيرين من طلبة المدارس إلى التغيب عن دراستهم خوفا عليهم من قبل ذويهم. وخيم هدوء ملحوظ على شوارع مدينة القاهرة ولم تشهد تلك المدينة التي يقطنها حوالي 17 مليون نسمة ازدحاما مروريا اعتادت عليه في مثل هذا اليوم، حتى بدت قوات الأمن المصرية المنشرة في ميادين القاهرة الرئيسية أكثر من المارة.

وانتشرت العشرات من سيارات الشرطة المصرية وعناصر من قوات مكافحة الشغب والأمن المركزي بكثافة في شوارع القاهرة الرئيسة وحول المصالح الحيوية والسفارات الأجنبية خاصة الأميركية والبريطانية في حى جاردن سيتي إلى جانب مقر مجلس الوزراء المصري ومجلسي الشعب والشورى البرلمان والجامعة الأميركية وبشكل غير معتاد ولافت للنظر.

وقال عبد الوهاب المسيري المنسق العام لحركة (كفاية) «حاولنا أن نتظاهر في ميدان التحرير لكنهم تعقبونا وألقوا القبض على البعض منا». وأضاف «لذلك قررنا إلغاءها لأننا لا نريد ضحايا». وطلبت بعض المدارس الخاصة في القاهرة من التلاميذ عدم الحضور خوفا من حدوث اضطرابات في الشوارع.

وأشارت مصادر أمنية إلى أن حالة الاستنفار الأمني أيضا امتدت إلى مدينة الإسكندرية الساحلية خاصة الشوارع والميادين الرئيسة التي يوجد بها مصالح حكومية أو قنصليات للدول الأجنبية. كما امتدت أيضا تلك الحالة إلى مدينة المحلة الكبرى التي يوجد بها عدد من مصانع الغزل والنسيج حيث كان عمال الغزل والنسيج بالمدينة قد أشاروا إلى أنهم سيشاركون في الإضراب للمطالبة بزيادة الحد الأدنى لأجورهم وحوافزهم. وألغى منظمون إضرابين ومظاهرتي احتجاج في مدينتي كفر الدوار وشبين الكوم شمالي القاهرة.

وقال شاهد في مدينة الإسكندرية إن أسر تلاميذ عدد كبير من المدارس منعوا أبناءهم من الانتظام في اليوم الدراسي خوفا عليهم من حدوث صدامات بين الشرطة والناشطين الذين دعوا إلى تظاهرة في المدينة إلى جانب الدعوة للإضراب. وقال شاهد في مدينة المحلة الكبرى ان المدينة بدت خالية إلا من قوات الأمن التي تنتشر في الميادين والشوارع «على نحو يبدو غير مسبوق».

وكان وزارة الداخلية المصرية حذرت في بيان أول من أمس، من أنها ستقوم باتخاذ ما يلزم من إجراءات فورية وحازمة إزاء أي محاولة للتظاهر أو تعطيل حركة المرور أو إعاقة العمل بالمرافق العامة أو التحريض على أي من هذه الأفعال.

وكانت الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية»، وحزب العمل المجمد، وحزب الكرامة العربية (تحت التأسيس) قد أشاروا إلى أن الإضراب الذي دعوا إليه يهدف لأن يكون بداية حملة عصيان مدني هدفها حمل الحكومة على تغيير سياساتها. وأيدت جماعة الإخوان المسلمين الدعوة إلى الإضراب ضمنيا. وبحلول صباح أمس بلغ عدد من أيدوا الإضراب على الموقع الاجتماعي «فيسبوك» على الانترنت أكثر من 60 ألف شخص.

من المشهد

حضور ضعيف في الجامعات والمدارس

كانت نسبة الحضور ضعيفة في المدارس والجامعات. وقالت هند وهي طالبة في كلية الهندسة بجامعة القاهرة «اتفقنا مع الأساتذة على إلغاء المحاضرات اليوم (أمس) لأننا نريد المشاركة في الإضراب»، مضيفة «كل زملائي في القسم أي حوالي 160 طالباً شاركوا في الإضراب». أما في الجامعة الأميركية في القاهرة فكانت قاعات الدرس شبه خاوية، حسب ما قال الطلاب.

وأكد احمد (21 سنة) «كان لدي محاضرتان.. ألغيت واحدة منهما لان الأستاذ قال انه سيشارك في الإضراب أما الثانية فقد اضطر الأستاذ إلى إلغائها اذ لم يحضر سوى طالبين انا واحد منهما». وكانت نسبة الحضور في المدارس ضعيفة أيضاً.

وأكدت مها وهي ربة منزل «طلبت من ابنتي ان تبقى في البيت وألا تذهب إلى المدرسة لأنني كنت أخشى من وقوع اضطرابات».وفي الإسكندرية، كان الوضع مماثلا وحركة السير في الشوارع ضعيفة. وأكد احمد سعيد (50 سنة) وهو موظف بأحد البنوك «ذهب أولادي إلى المدرسة في الصباح كالمعتاد ولكنهم لم يجدوا مدرسين فاتصلوا بوالدتهم كي تعيدهم إلى البيت».

تباطؤ في نشاط البورصة

على الصعيد الاقتصادي تباطأ نشاط البورصة المصرية. وقال نائب رئيس شعبة الأوراق المالية في اتحاد الغرف التجارية عيسى فتحي لوكالة فرانس برس «كان حجم التداول عند الإغلاق 2. 1 مليار في حين انه يصل عادة إلى أكثر من 2 مليار جنيه يوميا أي اقل من المعتاد بنسبة 40% تقريبا».

وأضاف «حصل عطل فني أدى إلى تأجيل بدء الجلسة لمدة ساعة لكن اللافت هو ان مساهمة المؤسسات المالية في التداول كانت متدنية اليوم اذ لم تتجاوز 18% من إجمالي حجم التداول في حين انه يصل عادة إلى 30% في حين تشكل معاملات الأفراد 70% من حجم التداول». وتابع «ان حجم التعاملات الضعيف للمؤسسات المالية يعكس ترقبا وقلقا وهو ان دل على شيء فإنما يدل على ان الدعوة إلى الإضراب كان لها تأثير بشكل أو بآخر فالكل خائف من التداعيات المحتملة للأوضاع الاجتماعية».

خبير: شباب بلا خبرة وراء الدعوة

اعتبر أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية مصطفى كامل السيد ان «الدعوة إلى الإضراب في حد ذاتها تحمل دلالات هامة فهي أول دعوة من نوعها وهي صادرة عن شباب بلا خبرة سياسية». وأضاف ان «هذه الدعوة، بصرف النظر عن مدى الاستجابة إليها، تعكس بالتأكيد حالة استياء عام».

وكانت الدعوة إلى الإضراب وجهت بصياغات متعددة اذ دعا بعضها إلى الامتناع عن شراء أي سلع والبعض الآخر إلى «البقاء في المنزل وعدم الذهاب إلى العمل أو الجامعة أو المدرسة» أو إلى المشاركة في وقفات احتجاجية «في الميادين العامة» أو حتى إلى الاكتفاء «بارتداء ملابس سوداء».

«الداخلية» تهاجم «محترفي الاثارة»

أعلنت وزارة الداخلية المصرية في بيان لها عن استمرار العمل بكافة الدواوين الحكومية ملقية بتبعية انتشار خبر الإضراب على جهات أطلقت عليها «محترفي الإثارة والتيارات غير الشرعية». وقال مصدر أمنى إن «البعض من محترفي الإثارة والتيارات غير الشرعية أخذوا في الفترة الأخيرة في الترويج لمنطلقات ودعاوى مضللة وعمدوا إلى الدعوة لوقفات احتجاجية وللتظاهر وللتوقف عن العمل وتعطيل الأعمال، مما أوجد انطباعات خاطئة لدى البعض من المواطنين».

اعتقال 4 من «الإخوان» في المنوفية

قالت مصادر في جماعة الإخوان المسلمين بمصر ان الشرطة في محافظة المنوفية بدلتا النيل ألقت القبض أمس على أربعة من أعضاء الجماعة لصلتهم بانتخابات المجالس المحلية التي ستجرى يوم الثلاثاء في المحافظات المختلفة. وقال مصدر ان الأربعة ألقي القبض عليهم في مداهمات لبيوتهم في الفجر وانهم من بين الحاصلين على أحكام قضائية بإدراج أسمائهم في كشوف المرشحين.

وقالت قيادة جماعة الإخوان في المنوفية في بيان ان احتجاز أعضاء فيها «لن يثنيهم عن المضي قدما في طريق الإصلاح والتغيير». وألقت الشرطة القبض أول من أمس على أربعة من أعضاء المكتب الإداري لجماعة الإخوان بالمحافظة.

فشل دعوة للإضراب في نسيج المحلة

واصل عمال النسيج في مدينة المحلة الكبرى، التي تعد من اكبر المراكز الصناعية في مصر، عملهم ولم ينفذوا إضراباً كان دعا إليه بعض قادتهم الذين احتجوا على اتفاق ابرمه قياديون آخرون مع ممثلي الحكومة مطلع الشهر وتضمن استجابة جزئية لمطالبهم المالية.

وانتشر عدد كبير من رجال الأمن وقوات مكافحة الشغب حول مصنع شركة مصر للغزل والنسيج، الذي شكل بؤرة حركة الاحتجاج الاجتماعي في مصر منذ ان نظم 27 ألف عامل فيه إضرابهم الأول في ديسمبر 2006 ثم إضرابهم الثاني في سبتمبر 2007.

ولم يبد المناخ بالغ التوتر داخل المصنع على الرغم من التواجد الأمني الكثيف حوله. ونشرت صحف المعارضة الدعوة إلى تنفيذ الإضراب طوال الأيام الماضية ما أوحى بأن العمل سيتوقف في المصنع الذي يوظف 27 ألف عامل.

اعتقال كوادر من «كفاية» و«الغد» و«الناصري»

ألقت قوات الأمن المصرية صباح أمس القبض على العديد من عناصر حركة كفاية بينهم عناصر قيادية للحركة التي كانت تستعد لتنظيم مظاهرة وحركة إضراب أمس في عدة محافظات مصرية ضد غلاء الأسعار وسياسات الحكومة.

وذكر مصدر أمني أن قوات الأمن اعتقلت ثلاثة من أعضاء حركة كفاية في محافظة الجيزة بينهم المهندس محمد الأشقر منسق حركة كفاية بالمحافظة والناشط محمد الشرقاوي. كما اعتقلت السلطات المصرية أربعة من أعضاء الحركة أمام الجامعة الأميركية بالقاهرة وهم في طريقهم إلى ميدان التحرير للإعداد للمظاهرة التي كانت تعتزم الحركة تنظيمها بالميدان.

وألقي القبض أيضا على ثمانية أعضاء من الحركة في محافظة الإسكندرية شمالي القاهرة، فضلا عن عضوين بمحافظة كفر الشيخ وآخر بمدينة المنصورة. واعتقل أيضا سعيد كامل الطنطاوي أمين حزب العمل المجمد نشاطه في محافظة السويس وعضو اللجنة العليا بالحزب وأيمن حسن أمين الحزب في القنطرة غرب محافظة الإسماعيلية. وفي الوقت نفسه ألقت السلطات المصرية القبض على 10 من حزبي الغد والناصري أثناء توزيعهم منشورات تدعو للتظاهر والإضراب.

طوابير الخبز وظيفة مرهقة لسد أفواه العائلة

منذ أسابيع باتت وظيفة عبدالنبي سليم، المدير الإداري المتقاعد الوقوف في طابور الخبز. يقف المدير السابق البالغ من العمر 65 عاما تحت شمس الظهيرة الحارقة في طابور يمتد طويلا في احد شوارع القاهرة لشراء 20 رغيفا من الخبز مقابل جنيه مصري واحد.

وبعد أن يحصل سليم على الأرغفة العشرين يعود مرة ثانية ليقف في نهاية الطابور وينتظر من جديد ليحصل على 10 أرغفة إضافية لازمة لسد رمق أسرته الكبيرة. ويقول سليم بعد مرور نحو نصف ساعة على وقوفه في الطابور الذي قد يمتد لعدة ساعات: «إنه نظام فاسد. آتي إلى هنا كل يوم. ليس لدي عمل فتلك وظيفتي.انتظر الخبز».

وما يحدث في مصر يبرز بعض مخاطر الدعم وبدائله فيما تدرس الكثير من الدول في أنحاء العالم إجراءات مماثلة لتخفيف عبء الارتفاع الكبير في أسعار الغذاء على الفقراء. وعلى مدار عقود يباع خبز رخيص للفقراء في مصر كجزء ضروري من السياسة الاقتصادية رغم تكلفته الباهظة نظراً لأنه يتيح للملايين العيش بأجور ضعيفة وتجنب حالة عدم رضا سياسي.

ولكن طوابير الخبز طالت في الأشهر القليلة الماضية مع ارتفاع تكلفة المواد الغذائية الضرورية غير المدعومة ما اضطر كثيرون للجوء للدعم الذي يعتمد بشدة على القمح المستورد باهظ التكلفة والذي يتعرض لضغوط أيضا جراء بيع الطحين في السوق السوداء. وخصصت مصر أكثر من 5. 2 مليار دولار لدعم الخبز في السنة المالية الحالية ولكنها ذكرت أن المبلغ قد يرتفع بسبب زيادة تكلفة القمح. غير أن ضغط الخبز لا يزال مستمراً.

ويقول مراقبون إن المشاكل المستمرة التي يعاني منها نظام الدعم قد تؤدي لتكرار أزمة 1977 ما لم يتم احتواء المشاكل سريعا. وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة جودة عبدالخالق «ربما تكون أوسع نطاقا وأكثر عنفا لأن الناس تشعر بتأزم أكبر لأوضاعها».

وتعهد كبار المسؤولين في مصر بالتدخل السريع لتسهيل الحصول على الخبز المدعوم الذي يتغذى عليه يوميا 50 مليون مصري أو أكثر من ثلثي تعداد السكان حسب إحصاءات الأمم المتحدة. وقال الناطق باسم رئاسة الجمهورية سليمان عواد ان «رغيف الخبز لابد أن يتاح للمصريين وتختفي ظاهرة طوابير الخبز».

وطلب الرئيس حسني مبارك من الجيش المساعدة في توفير الخبز للمواطنين. وقال احد الوزراء إن قوات الأمن ستوفر مليوني رغيف من الخبز يوميا وذكرت وسائل الإعلام أن مصر سترفع حصة المخابز من الطحين. ويرجع تنامي طوابير الخبز في مصر لارتفاع نسبة التضخم إلى 1. 12 في المئة في 12 شهرا حتى فبراير، في حين ارتفعت اسعار المواد الغذائية 20 في المئة والخضراوات 15 في المئة وزيت الطعام 40 في المئة حسب جهاز الإحصاء المصري.

ولمساعدة المواطنين على مواجهة ارتفاع الأسعار ألغت مصر الرسوم الجمركية على واردات الأرز ومنتجات الألبان وزيت الطعام وأنواع من الاسمنت والصلب. وصرح وزير التجارة رشيد محمد رشيد لصحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية بأن مصر ينبغي أن تتحرك للتصدي للتضخم لما يسببه من مخاطر لبرنامج التحرر الاقتصادي.

وشمل برنامج التحرر الاقتصادي في مصر خفض رسوم جمركية وبيع شركات مملوكة للدولة ليقبل مستثمرون على مصر ويرتفع معدل النمو الاقتصادي إلى 1. 7 في المئة العام الماضي. ولكن لا يزال معظم المصريين يعيشون في فقر. وأبقت مصر سعر رغيف الخبز المدعوم عند اقل من سنت أميركي واحد فيما ارتفعت تكلفة الخبز والحبوب بنسبة 5. 26 في المئة في السوق الحرة.

وأجبرت الطوابير الطويلة المخابز على تحديد عدد الأرغفة التي تباع لكل فرد عند 20 رغيفا في كل مرة وهو ليس بالعدد الكبير لمن يشترون لأسرهم الممتدة الكبيرة. وفي المتوسط يستهلك المواطن 2. 3 أرغفة في اليوم. إلا أن البعض استغل أزمة الخبز الحالية وباع الطحين المدعوم في السوق السوداء وهو وضع تجاهله مفتشو الحكومة طويلا.