مخرجات «الثلاثاء الكبير» اليوم تقررها عوامل عدة يمكن تلخيصها في التالي:

* «فوضى خلاقة» في الحزب الجمهوري، تمخضت عن اصطفاف حاد أملته قوة الأداء الانتخابي في الحزب الديمقراطي. فبعدما كانت الصورة غائمة تماماً لدى المعسكر الجمهوري. بدأت تتضح أكثر ملامح المعركة التنافسية.

في بداية السباق كان الناخب الجمهوري موزعاً بين عدد كبير من المرشحين تبدو فرص جميعهم متساوية: جون ماكين صاحب شعار الهاجس الأمني الداخلي. والعصا الخارجية الغليظة ـ الملياردير ميت رومني الساعي للانفصال عن خط الإدارة الأميركية بزعامة جورج بوش. مايك هاتبي صاحب الشعارات الحماسية الخاصة بوقف المد «الديمقراطي». وراون بول الذي لم يجد ما يضيفه.

غير أن عمليات التصفية دفعت ماكين «المخضرم» إلى الريادة في هذا السباق بعد انسحاب رودلف جولياني لمصلحته فضلاً عن دعم حاكم كاليفورنيا ارنولد شوارزينغر له. بينما مليارات منافسه الأقوى رومني لن تجدي في ظل انتمائه للطائفة المورمونية المنشقة عن الكاثوليكية. هذه الفوضى التي هدفت إلى اختبار مدى التفاف الحزب حول إدارة بوش وسياساتها ومدى شعبية هذه الإدارة.

* استقطاب حاد في الحزب الديمقراطي بين المتنافسين هيلاري كلينتون وباراك أوباما. وهنا الصورة تبدو أكثر محيرة. فهيلاري المدعومة مالياً وسياسياً من كبريات مجموعات الضغط «اللوبي». تستند إلى «قوة المبادرة» كأول امرأة تسعى للرئاسة. فضلاً عن تأييد قطاعات مهمة في الحزب الديمقراطي التي تأمل بتكرار حقبة الازدهار الاقتصادي لزوجها بيل كلينتون.

في المقابل يستند أوباما ذو الأصول الإفريقية إلى سأم الأميركيين من حكم العائلات (آل بوش وآل كلينتون) وحاجتهم إلى التغيير. هذه الحاجة التي كانت أبرز شعارات هذا المرشح الذي تحققت فيه أهم شروط الناخب الأميركي: الشخصية الجذابة والمميزة والمقدرة الكبيرة على الخطابة والإقناع.

* دور المال في الانتخابات، والذي لطالما كان حاسماً في فتح الباب الأبيض أمام المتنافسين، هذا بالذات يهز قليلاً ثقة ماكين في الفوز عن الحزب الجمهوري. في مقابل ملايين منافسه رومني الوفيرة، ولاسيما أن الحملة الدعائية الواحدة في ولايات كبيرة مثل نيويورك وكاليفورنيا تصل كلفتها إلى 35 مليون دولار.

وبالتالي يرتبط صمود المرشح ومواصلته إلى آخر المشوار بمقدار الرصيد الذي جمعه لحملته الانتخابية، وليس أدل من ذلك على مثال الديمقراطي جون ادواردز الذي جمع مبالغ متواضعة بسبب رفضه تلقي تبرعات «اللوبيات».

في حين تلقت هيلاري ما يصل إلى 150 مليون دولار معظمها من جماعات الضغط. في موازاة ذلك. يتمتع منافسها أوباما بميزة اتساع قاعدة التبرعات.. بمعنى أن عدد المتبرعين له يعد بمئات الآلاف، وهم في غالبيتهم من الناس العاديين «المتحمسين للتغيير»®. وهو ما يعني أن سقف التبرعات له لا يزال مفتوحاً على مصراعيه.

* دور الإعلام: إعلان صحيفة «لوس انجلوس تايمز» انحيازها لمصلحة أوباما، فضلاً عن الدعم التقليدي لقناة «فوكس نيوز» لغلاة المحافظين، لا يبدو كل ذلك أمراً مفاجئاً. بل نادراً في ظل «نرجسية» وسائل الإعلام الأميركية التي تعتبر دورها أكبر من أي حالة استقطاب سياسي أو اجتماعي.

بعد «سبات اضطراري» إبان هجمات 11 سبتمبر، عاد الإعلام ليلعب دوراً حاسماً في هذه الانتخابات، واضطلع بـ «تغطية أفضل الحملات والشخصيات لأن إدارة بوش باتت غير محبوبة لدى الناس، فضلاً عن ان الصحافة رأت أن بإمكانها العودة إلى عملها الطبيعي بعد كبوة «سبتمبر» طبقاً للدكتور جيفري دفوركن الأستاذ المساعد في جامعة جورج تاون في واشنطن.

على هذا، فإن في مقدور الإعلام صياغة توجهات الناخبين في الولايات المتحدة لجهة القضايا الداخلية لا الخارجية، على أساس جهل الأميركيين الكبير بما يجري وراء البحار.

وهو ما يمكن تلمسه في ذلك التركيز على تصريحات أوباما مثل قوله ان الفلسطينيين يعيشون معاناة غير مسبوقة» وهو ما أثار ضجة إعلامية لا يخفى على أحد اللوبي الذي يقف وراءها، في موازاة الحملة الإعلامية المضادة لهجوم بيل كلينتون على أوباما الذي فسر بنوازع عنصرية ما رجح كفة الأخير أمام زوجته.

* «اللعب تحت الحزام» وهذه تختص بالألاعيب السياسية التي يمارسها الحزبان المتنافسان، إذ يعتقد الجمهوريون أن ماكين يستطيع هزيمة هيلاري بسهولة في الانتخابات النهائية، وعليه يلعب دوراً في ترجيح كفتها داخل الديمقراطيين الذين تسمح لوائح حزبهم بالانتساب إليه في آخر ثانية قبل التصويت.

من كل المجريات الحالية، يبقى عامل المفاجأة في الانتخابات الأميركية هو السيد، فشعبية أوباما في الشارع وبين الديمقراطيين تؤهله لاكتساح هيلاري في «الثلاثاء الكبير». بينما يخطو ماكين بثقة وفارق مع أقرب منافسيه الجمهوريين، وهنا بين المسؤولين في واشنطن أو بين العامة، تترسخ القناعة التالية: أي هجوم أمني على غرار 11 سبتمبر مثلاً يعني ماكين رئيساً حتمياً للولايات المتحدة.

واشنطن ـ خالد أبوكريم