طغى موضوع الكساد في الولايات المتحدة والذي يتوقع أن يستمر على مدى العام على نقاشات اليوم الأول من أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي.

ولعل أطرف الجلسات التي تلخص واقع النقاشات الدائرة في دافوس هي تلك الجلسة التي عنونت: «عندما تعطس أميركا، هل ما زال العالم يصاب بالزكام؟». والإجابات جاءت بـ «نعم متحفظة» لدى الكثيرين بحكم أنها البلد الذي لا يزال يشكل خمس الاقتصاد العالمي ويصدر ثلث بضاعة العالم، لكنهم أقروا بأن عطسة أمريكا وإن سببت زكاما لباقي دول العالم، إلا أنها قطعا لن تصيبه بنزلة رئوية.

وربما هذا ما يفسر هيمنة موضوع الكساد في الولايات المتحدة حيث تركزت التساؤلات على كيفية انعكاس هذا الكساد على باقي دول العالم؟ وهل ستستطيع الأسواق الناشئة مقاومة هذا الكساد وما يرتبط به من ارتفاع في أسعار النفط والسلع الأساسية؟ وهل يمكن للصناديق الاستثمارية السيادية أن تشكل ردا ناجعا لهذا الكساد؟

وفي الجلسة الكبرى، طلب من المشاركين أن يحددوا عبر التصويت أهم المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي، وجاء لافتا أن الكساد في الولايات المتحدة جاء رابع هذه المخاطر، بينما جاء غياب أي رد أو قيادة منسقة لمواجهة مشاكل العالم في صدارة هذه المخاطر، يليه الخطر الذي تمثله سوء إدارة الأزمة الحالية ثم غياب الثقة المتبادلة على المستوى العالمي.

أما باقي المخاطر فحددت في أزمة القروض العالمية الحادة، وأسعار النفط والسلع الأساسية المرتفعة، والمبالغة في ردود الأفعال تجاه الكساد في الولايات المتحدة، ثم ما يرتبط بهذه النقطة ويجسدها من زيادة الحمائية في اقتصادات الدول المتقدمة، وأخيرا عدم المساواة في مداخيل الدول والأفراد حول العالم.

وشكل ذلك مادة خصبة لانتقاد الولايات المتحدة وإدارتها الحالية، حيث اعتبر أن غياب القيادة في هذا البلد هو أكبر المشاكل التي يواجهها العالم، مطالبين بدلا من ذلك بأن تتولى إعطاء الإجابات عن الوضع الحالي هيئات الأمم المتحدة المتخصصة، والهيئات الدولية الأخرى كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة العمل الدولية وغيرها، دون إغفال أن الطريقة التي ستتصرف بها الولايات المتحدة وأوروبا وباقي الدول الكبرى ستزيد أو تقلل من فرص نجاح هذه الهيئات في علاج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العالمي.

وبدا ممثلو الهند والصين وأميركا اللاتينية والدول العربية أقل فزعا في مواجهة آثار الكساد في الولايات المتحدة وأكثر استعدادا لمواجهته، مما دفع كثيرين للتأكيد على أنه حان الوقت للاعتراف بأن نموذج التكامل الاقتصادي الذي عاشه الاتحاد الأوروبي ليس وصفة كونية قابلة للتطبيق في كل مكان، وأن البديل بالنسبة لقارة أميركا اللاتينية هو زيادة الاستثمارات البينية التي يمكن أن تقود إلى التكامل الاقتصادي والسياسي لاحقا.

أما الاعتراف النادر الآخر فقد جاء هذه المرة في ما يتعلق بدمقرطة المجتمعات غير الغربية، عبر التأكيد على أن الولايات المتحدة وفرنسا احتاجتا قرابة قرنين من الزمن لإرساء ديمقراطية مجتمعيهما، فمن غير المقبول أن تطالب الصين وإفريقيا وباقي دول العالم النامية باتباع نفس المسار بنفس الطريقة، وأن على العالم الغربي «أن يكف عن وضع القوانين وعن تعليم كل واحد الكيفية التي عليه أن ينجز الأشياء عبرها» تاركا لكل مجتمع خوض مساره بطريقته ووتيرته الخاصة.

وتنسجم هذه الرؤى الجديدة، والغريبة عن أجواء دافوس، مع الإدراك العميق بالتغيرات التي يعيشها العالم بعد انتهاء سيطرة القطب الأوحد المتمثل في الولايات المتحدة والذي عزاه الخبراء إلى ما أسموه «السياسة الدفاعية تجاه الخوف» التي اعتمدتها الإدارة الحالية على الخصوص، تجاه خطر الإرهاب تحديدا، محذرين أنه ربما لن يكون بمقدور الديمقراطيين أو الجمهوريين التخلي عن لعب ورقة الخوف في سعيهم للتأثير على الناخبين وصولا للبيت الأبيض، مع الاعتراف بأن تغيير «السائق» في واشنطن قد يعيد الولايات المتحدة إلى مسارها المعتاد، لكن دون أن يلغي ذلك الحاجة إلى «عربة» و «طريق» جديدين.

ووجه انتقاد آخر للمقاربة التي اعتمدها الغرب تجاه مشاكل التغير المناخي والإرهاب والأوبئة العالمية والتي عنونها «المواجهة» بدلا من اعتماد مقاربة «التعاون» على المستوى العالمي للتصدي لهذه الظواهر، وهو ما قد تبدو الصين أكثر تنبها له، باعتمادها أسس السلام، التعاون والتنمية للنظر إلى المستقبل حسب ما يأمل المشاركون هنا للاضطلاع بالدور القيادي العالمي الذي ينتظرها.