وصل الانقسام الماروني الحاد في لبنان بتداعياته إلى حد التأثير على الأجواء العامة داخل الصرح البطريركي الماروني الذي دخل بقوة إلى خط الاستحقاق الرئاسي عندما بادر البطريرك الماروني إلى وضع لائحة بأسماء المرشحين المقبولين لدى الشارع المسيحي عموما والسياسي خصوصا في لبنان.
وكانت البطريركية المارونية قد دخلت الأفق السياسي الإقليمي للمرة الأولى في سبتمبر من العام 2000 عندما أصدرت بيانها الشهير الداعي إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان لتقود من وقتها المطالبة بالخروج من أجواء الاحتلال والوصاية السورية.
وانكفأ دور البطريركية بعد أن عمد السوريون حينها إلى تركيب قانون انتخابات لا يتلاءم والواقع المسيحي، واستمر الانكفاء إلى أن طلب الفاتيكان من البطريرك صفير استلام ملف الاستحقاق الرئاسي في لبنان والترويج له في يونيو من العام الماضي. إلا أن البطريركية المارونية فشلت هذه المرة أيضا في إدارة الملف، ما أثر بشكل كبير على مجريات الأمور داخل الشارع المسيحي اللبناني المنقسم الولاءات والاعتبارات وهو ما أثر بدوره على وضع الكنيسة المارونية التي يديرها مجلس المطارنة الذي يعقد اجتماعه بصورة شهرية.
وفي ظل هذه الانقسامات التي وصلت إلى العمق الماروني، عقد مجلس المطارنة الموارنة الأربعاء اجتماعه الدوري للمرة الأولى في هذه السنة في ظل تشنجات مسيحية مسيحية ترخي بظلالها على الساحة المحلية بعد اشتداد الانقسام الماروني ودخول الإكليروس الماروني على خط الأزمة حيث أصبح في قلب الصراع السياسي.
كما تأثرت هذه الأجواء بالسجال المباشر بين المعارضة المارونية والصرح البطريركي، وهذه سابقة غير معهودة في تاريخ العلاقات بين بكركي و«التيار الوطني الحر» بزعامة النائب العماد ميشال عون..
حيث كان يدور السجال بين الطرفين في الماضي إما تلميحا أو بالواسطة فإذا به يتحول هذه المرة إلى الهجوم المباشر عندما حمل المطران بشارة الراعي بالاسم على العماد عون، فرد عون بشن حملة على البطريرك نصر الله صفير مطالبا إياه باتخاذ موقف من القرارات الحكومية.
والرد البطريركي الذي لم يتأخر جاء مباشرا أيضا، إذ عمد صفير إلى الإشادة بموقف الحكومة واجتماعاتها ما يعد مباركة لقراراتها.
وأثرت هذه التطورات المتسارعة على المطارنة الموارنة المنقسمين في الولاء السياسي والموحدين في الولاء الكنسي، فبعض المطارنة يرى أن سياسة الصرح البطريركي هي الأسلم، بينما يرى آخرون أن الأجدر بالبطريركية المارونية ألا تتخذ موقفا من الصراع الدائر والاكتفاء بالعمل على توحيد الصف الماروني المنقسم بشكل غير مسبوق.
وفي الوقت نفسه تنامى الحديث عن أجواء غير مريحة بين بكركي من جهة والفاتيكان من جهة ثانية لاسيما وأن القاصد الرسولي في لبنان يرى أن موجة الهجرة المسيحية غير المسبوقة من لبنان تعود لأسباب سياسية واقتصادية كان يمكن تلافيها لو تعاطى الإكليروس معها بحكمة وروية وبالابتعاد عن الوقوف طرفا في الصراعات السياسية.
ونجح رجال السياسة في توريط البطريرك في أكثر من موقف ساهم في الحد من فاعلية دور بكركي وأوقعوه في درك لم يعرفه الصرح في تاريخيه القديم أو الحديث خاصة بعد فشل صفير في تمرير أي من مبادراته الثلاث، ما أدى إلى التطاول المستمر على الصرح وعلى المقام البطريركي. ونتيجة لهذه التجاذبات جاء بيان المطارنة نسخة طبق الأصل من البيان الأخير؛ لا يحمل أي مضمون مباشر بل تلميحات لا تخرج عن إطار المواقف الدورية غير المؤثرة على المسار. (د ب أ)