يحتار من يحاور زعيم حزب الأمة السوداني، رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي في اختيار وترتيب محاور النقاش وكيفية إدارة دفته مع شخصية ذات كاريزما طاغية، يعتمر أكثر من قبعة ويلتحف بأكثر من عباءة..سياسية ودينية.. وفكرية..
فهو قائد سياسي خاض اتون السياسة منذ بواكير سني حياته، حتى أنه تولى رئاسة الحكومة انتخاباً وهو شاب يافع في ستينات القرن الماضي، وعاد ليتولاها انتخابا أيضا في حقبة الديمقراطية الثالثة في منتصف الثمانينات... ومابين الحقبتين وبعدهما، اثبت جدارة مشهودة في زعامة المعارضة وإدارة معاركها...
وهو في الآن نفسه، إمام أكبر طائفة في السودان «طائفة الأنصار»، الرافد الديني لأكبر حزب سوداني هو «حزب الأمة» الذي يتولى رئاسته أيضا. ويعيش تحت جلد السياسي المحنك، الذي يجلس على إرث جده المهدي الكبير، مفكر إسلامي لا يشق له غبار، يتولى عبء التنظير والترويج لحركة التنوير الديني الوسطي والحداثي حاملا بصلابة راية التوفيق بين «الأصل والعصر»، ولا يكف عن ارتياد المحافل الدولية والاقليمية حاملا هذه الراية.
كل هذه الأدوار يلعب أوراقها المهدي بحنكة وحركية وكفاءة يعترف بها حتى ألد أعدائه قبل مريديه الكثر.. إلى جانب أن الجميع يعترف له بنظافة اليد ولطافة اللسان.. فهو خطيب مفوه.. مرتب الأفكار ..عفيف لا يجنح للإساءة التي كثيراً ما تعرض لها..
وإذا كان البعض يأخذ عليه تكرار الإطلالة الإعلامية وكثرة الخطابة ،فإن البعض الآخر يطرب لهذا الحديث ويستزيده متجاوباً مع طريقته الفريدة في نحت العبارات الجديدة الجاذبة وله معين في هذا لا ينضب ،متكئا على مخزون وافر وعلم واسع بالتراث الشعبي السوداني.
وفي غمرة انشغاله باجتماعات مكثفة استقطع لنا جزءاً من وقته داخل جناح في فندق فخم في دبي.. وتالياً الحوار الذي كانت وتيرته ترتفع أحيانا وتخبو حينا، من خلال مقاطعات ومداخلات اتسع لها صدره:
ـ ما الأمر الذي أتى بك إلى دبي؟
ـ أنا عضو في هيئة خبراء عربية مهتمة بشؤون المياه وأتيت لحضور اجتماع دوري يخص هذه الهيئة التي تعنى برسم برامج لسياسة مستقبلية قومية مائية وإدارة مشتركة للموارد المائية بغرض الضغط في الطلب والزيادة في العرض وتحديد السياسات المطلوبة في اتجاه تحقيق هذه الأهداف.
دارفور بين الحماقات والأطماع
ـ ما حقيقة ما يتردد حول أن الأزمة في دارفور سببها أطماع الغرب في مواردها المكنونة من نفط ويورانيوم وغير ذلك من معادن نفيسة.. هل دارفور تزخر بهذه الثروة فعلاً؟
ـ مما لا شك فيه أن الدول الغربية لها حسابات.. لكن مشكلة دارفور الآن لم تنشأ بسبب طمع الغرب في ثروات الإقليم .. مشكلة دارفور في جانب الموارد تتعلق بوجود استثمارات نفطية ضخمة في دولة تشاد المجاورة خصوصاً من جانب الشركات العالمية، وبالتالي تولد لديها الخوف على استقرار تشاد..
ودارفور مشابهة كثيراً للتركيبة السكانية في تشاد وبالتالي فإن أي اضطراب هنا ينعكس على الاستقرار هناك وبالعكس، وهذا يصعد من درجة الاهتمام والحرص على ألا يؤثر الاضطراب في دارفور على الاستقرار في تشاد.
ـعفواً.. سؤالي عن مدى صحة توافر هذه الموارد في دارفور فعلاً.. هل لديك معلومات موثوق فيها؟
ـ أعتقد أن الجيولوجيين يقولون ذلك.. لكنني لا أعتقد الآن أن وجود هذه الموارد يلعب دوراً في أزمة دارفور حالياً.
ـ الجيولوجيون يقولون ماذا تحديداً؟
ـ يقولون إن المنطقة بها معادن ويورانيوم.. ولكن حتى الآن هذا الموضوع لم يلعب دوراً في الصراعات في رأيي.. الدور الرئيسي في الصراعات يتعلق بموضوع الاستقرار في تشاد.. هذا أولاً.. ثانياً موضوع البترول السوداني الذي بادرت الشركات الأميركية إلى اكتشافه قبل أن ترفع يدها عنه لأسباب بعينها وبانسحاب الشركات الأميركية انفتح الباب أمام الشركات الآسيوية خصوصاً الصين، للاستثمار في النفط السوداني.
ـ ما المشكلة في ذلك؟
ـ لا شك أن الأميركان قد توصلوا إلى أن السبيل إلى تغيير هذا الوضع لن يتم إلا إذا كان النفط تحت إدارة جنوبية.. باعتبار أن نظام الإنقاذ دخل في تحالف استراتيجي مع الصين التي تقف مع هذا النظام وتحميه.
ـ (عفواً للمقاطعة) هل تشير إلى ثمة صراع أميركي ـ صيني تدور فصوله في السودان؟ وفي هذه الحالة.. هل تدور في الجنوب أم في دارفور؟
ـ ما أدخل دارفور في الصراع هو أن التطورات التي حدثت فيها جعلت الصين تقف إلى جانب الحكومة والإدارة الأميركية ضدها.. لكنني أعود وأؤكد كل أزمة دارفور هذه كان يمكن تجنبها.. نعم كانت هناك مشاكل في دارفور وكان يمكن أن تنفجر في أي وقت.. لكن الذي نقل مشكلة دارفور من مشكلة تقليدية إلى أزمة بهذا الحجم هو:
أولاً: النزاع حول الموارد. ثانياً: الصراع بين القبائل. ثالثاً: النهب المسلح. كل هذه المشاكل مشاكل تقليدية غير أن تغير هذه المشاكل من طابعها التقليدي إلى طبيعة أخرى يعزى إلى أولاً: الاثنية المسيسة. ثانياً: الفصائل المسلحة ضد الدولة التي ظهرت حديثاً مثل «حركة تحرير السودان» و«العدل والمساواة».
ـ هل للولايات المتحدة يد في هذه التطورات؟
ـ كل هذه العناصر استجدت نتيجة سياسات خاطئة.. أما عن أميركا. فإنهم (الأميركان) في بداية اندلاع المشكلة حتى عام 2003 كانت سياستهم أن يغمضوا أعينهم عما يجري، حتى يتم إنجاز اتفاق السلام بين الحكومة والحركة الشعبية، حتى إنهم أوعزوا للنظام أن ينتهي من موضوع التمرد في دارفور لكن بسرعة وبكفاءة.
التضاد بين الشريكين
ـ مع التطورات الأخيرة التي سميت بأزمة الشريكين والتلاسن العلني على أعلى مستوى، هل ترى في الأفق احتمالاً لعودة الحرب؟
ـ لا مجال، في رأيي، أبداً لعودة الحرب، لسبب بسيط، لأن أقصى ما يمكن أن يحدث هو الانفصال وقد أصبح متاحاً، وهو ما ينتفي معه العودة إلى الحرب.
ـ هل ترى أن السودان أقرب إلى الانفصال أم إلى الوحدة؟
ـ (بعد أن جرَّ نفساً عميقاً) أنا أرى أن الانفصال أقرب، ولكن الوحدة أفضل، والسؤال هو هل سنحقق الأفضل أم لا.. وفي ترتيبات تحقيق السلام كان هناك بند أساسي ينص على جعل الوحدة خياراً جاذباً.. لكن ما يحصل منذ عام 2003، يدفع نحو جعل الوحدة خياراً طارداً.
ـ إذا حصل الانفصال.. فإن أحد عوامل التوتر الكامنة ستظل قضية الحدود.. وتحديداً الخلاف حول أبيي، ألا يحتمل أن يدفع ذلك إلى عودة الحرب؟
ـ هناك محاولات لتجاوز هذا الخلاف، وإن كانت تبدو عقيمة، ويطل بالتالي خيار الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية التي فصلت في قضايا مماثلة مثل قضية جزر حنيش بين اليمن وأرتيريا.
ـ هذا الخيار تضعه في خانة الوارد.. أم تقترح اللجوء إليه؟
ـ لا مجال لخيار آخر.
ـ هل تؤيد دخول الأطراف الدولية أو الإقليمية في حل هذه الأزمة وهي التي كانت فاعلة في الأساس في الوصول إلى اتفاق السلام؟
ـ المجتمع الدولي لا يستطيع حل هذه المشكلة لأنه جاهل بالمشكلة من أصلها.. وفي رأيي أن المأزق الحقيقي أن المشكلة لا يوجد لها حل في الإطار الثنائي، لأن الطرفين (الحكومة والحركة) لا يمثلان من تدعيان أنهما يمثلانه (الشمال والجنوب).. ولا يوجد لها حل دولي لأن الأطراف الدولية القائمة بهذا الأمر ليست لها معرفة كاملة بالشأن السوداني إلى جانب....
ـ هل تريد أن تعيدنا مرة أخرى لطرحك المكرر حيال اتفاق نيفاشا وأنه ناقص، ولابد من مؤتمر جامع أو دستوري وما إلى ذلك؟
ـ لا.. لا أقصد ذلك.. أعود وأقول إن الأطراف الدولية المعنية إضافة إلى أنها جاهلة بأبعاد المشكلة، فهي غير محايدة.
ـ جاهلة وغير محايدة.. ورغم ذلك أنجزت هذا الاتفاق؟
ـ نعم ولذلك أنجزت اتفاقاً معيباً.
ـ ترى إلى أي طرف تنحاز هذه الأطراف الدولية؟
ـ أقول إنها غير محايدة.
ـ أعيد السؤال ..إلى أي طرف تنحاز؟
ـ هي ضد المؤتمر الوطني، ذلك معروف.. أقول على سبيل المثال إن رئيس اللجنة التي اتفق عليها لحل أزمة ابيي وهو دونالد اندرسون وهو سفير أميركي سابق لدى السودان (عام 1995) أصدر كتاباً يُعد أطروحة في إدانة المؤتمر الوطني.. أعود وأقول مشكلة ابيي لا حل لها ثنائياً ولا دولياً.. ولا يمكن حلها عسكرياً.
ـ بإلقاء نظرة للأمام أين سيكون موقعكم في معركة الانتخابات المقبلة؟ وهل صحيح أنكم بدأتم فتح الطريق للتحالف مع الحكومة على ضوء اللقاءات التي تتم بينكم وبينها وآخرها لقاؤكم مع الرئيس البشير؟ أم تخططون لإنشاء تحالف ضد الحكومة؟ إلى أين تؤشر بوصلتكم في المرحلة التالية؟
ـ نحن عندما عدنا إلى السودان «بعد طلاق المعارضة للمنفى»، قيل، كمال يقال الآن، إننا ذاهبون للتحالف مع البشير وللدخول في الحكومة وفي نهاية المطاف دخلوا جميعهم ـ أقول جميعهم ـ في الحكومة ما عدانا نحن.. لأننا أناس تحكمنا المبادئ.. دعك مما يقال الآن عن التقارب والتحالف وما إلى ذلك فالأمور بخواتيمها.
.. فيما يتعلق بالتطورات الأخيرة بادرنا إلى التحدث مع جميع الأطراف بما فيها حلفاؤنا في المعارضة بالطبع.. ومازلنا نستمر في التحاور عبر أربع لجان مع المؤتمر الوطني والحركة الشعبية والقوى السياسية الكبرى والمجتمع الدولي بأمل أن تدرك كل هذه الأطراف ضرورة إيجاد حل قومي لمشاكل السودان.
الانتخابات والتحالفات
ـ أعيد السؤال عن اتجاه بوصلة تحالفاتكم قبل الانتخابات؟
ـ بخصوص الحديث عن الانتخابات.. فلابد من الإشارة إلى أن قيام الانتخابات مرهون بعوامل واستحقاقات لابد من إيفائها، أولها ضرورة معالجة مشكلة وضع قانون الانتخابات والوصول لاتفاق حول هذا القانون ..ثانياً لابد من إجراء التعداد السكاني، ثالثاً توطين النازحين مع ملاحظة أن 20% من سكان السودان مشردون في الغرب والجنوب.. لابد من إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية.
ـ هل ترى أن ذلك يمكن انجازه في الزمن المتبقي على موعد الانتخابات المفترض؟
ـ أنا أريد أن أوضح أن هنالك عقبات ولابد من تذليلها.. الانتخابات ليست أماني فقط لابد من..
ـ هل يعني...
ـ دعني أكمل فكرتي.. إلى جانب قانون الانتخابات والتعداد والتوطين، لابد من ترسيم الحدود لمعرفة خريطة الدوائر الانتخابية.. ثم لابد من سيادة الأمن في دارفور والجنوب ومعروف أن هنالك الآن اضطرابات أمنية يشهدها الجنوب ناهيك عن الوضع في دارفور.
ـ هل المح في حديثك هذا إشارة إلى أن الانتخابات لن تجرى في موعدها المفترض؟
ـ أنا رأيي الشخصي أنها لن تجرى في موعدها للأسباب التي ذكرتها لكننا لا نراهن على هذا الافتراض ونستعد لها كما لو كنا سنخوضها غداً.
ـ نحن الآن أمام محك أساسي هل سيظل السودان موحداً أم سينشطر إلى دولتين.. أي الاحتمالين أقرب في رأيك؟
ـ في رأيي أن الأفضل هو أن يبقى موحداً.
ـ هذا معلوم بالضرورة.. السؤال عن أي الاحتمالين أقرب؟
ـ تحقيق خيار الوحدة يعتمد على مدى التزام القوى السياسية بالابتعاد عن الأجندات الحزبية الضيقة والإقرار بأن أي حل يقوم على الأجندات الضيقة سيأتي بنتائج عكسية حتى على أصحابها في نهاية المطاف. كحزب الأمة والمنشقين.
ـ دعنا ننتقل إلى محور آخر ..رغم أن حزبكم «الأمة» يعد أكثر الأحزاب تنظيماً ومشاركة وحضوراً في الأحداث إلا أنه تعرض إلى شرخ لا يزال بادياً ومقلقاً.
ـ أظنك تشير إلى الانقسامات أو خروج البعض من صفوف الحزب.. نحن نعتقد أن التجربة أثبتت خلال الخمس سنوات الماضية أن الحزب أصبح أكثر قوة وفاعلية في غياب هؤلاء.. ففي ظل ما حدث تمكنا من عقد مؤتمر الحزب العام وهيكلة هرمه القيادي، كما عقدنا مؤتمر هيئة شؤون الأنصار، وأصبحنا قوة مؤثرة وغالبة في الوسط الطلابي.. وخلقنا من خلال تحركاتنا صلات عالمية وعربية وإفريقية لمصلحة السودان، وتمكنا من إصدار صحيفتنا.
ـ ولكن ربما كان الحزب أكثر قوة لو كان من انقسموا في صفوفه ..ألا تفكرون في رأب الصدع؟
ـ نحن لن نغلق الباب شريطة أن تتم العودة عبر المؤسسية وليس عبرعملية شخصية أو ترضوية.. نصر على أن نتمسك بالمؤسسية التي تحققت في حزبنا ووصلت مرحلة من النضج بحيث يمكن أن تدرس كنموذج مثالي.
ـ عندما خرج مبارك الفاضل أعلن أن وحدة الحزب تمت في «لقاء 11مايو» بينك وبينه ولا يريد العودة إلى نكأ الجراح.
ـ ولكنه قوبل بردود أخرى.. على كل حال.. أنا ليس لدى مانع من عودة هؤلاء فقط أتمسك بالمؤسسية ويجرى التحضير لورشة لمناقشة معالجة مثل هذه الانقسامات.
ـ لكنكم عقدتم كل الورشات المقررة باستثناء ورشة توحيد الحزب؟
ـ المسألة يا أخي مسألة أولويات.
ـ هنالك من يقول إنك تتعمد تأجيل هذه الورشة من منطلق شعور شخصي بالمرارة تجاه الانقساميين.
ـ لست أنا من يدخل الشعور الشخصي في العمل العام.. أنا من تجاوز مثل هذه المرارات إلى درجة انني الآن لا أمانع في الجلوس حتى مع البشير والترابي رغم ما حدث.. على العكس هنالك من يصفني بأنني مثالي وديمقراطي ورحيم أكثر من اللازم حتى مع الذين أساءوا إلي.. حيث لم أبادر حتى بملاحقتهم قانونياً.. وتحملت حتى جاء بعضهم معتذراً.
ـ إذا كان الأمر كما تقول.. معروف أن الحزب مقبل على انتخابات عامة ومن المفيد أن يخوضها موحداً..هل تسعون لذلك؟
ـ لسنا على عجل من أمرنا ولن نسمح بأي قفز فوق المؤسسية حتى لا تتكرر مثل هذه الأخطاء ونعرف أننا مقبلون على انتخابات ولكن تثبيت المؤسسية له أولوية على كل شيء من قاعدة أن «كل شيء يبنى على فساد.. يأتي بفساد».ودعني أقول بوضوح إنه إذا حدث أن قبلنا بعودة هؤلاء فلابد أن تتم هذه العودة بموجب ضوابط، لقد خرج من صفوفنا بعض من انضموا إلى الحكومة ثم ارتكبوا فساداً.
ـ هل سترفضون عودة هؤلاء أم ستحاسبونهم داخل الحزب؟
ـ لدينا معياران محددان.. لتحديد الفساد.. ونتحرى عما إذا كان الشخص المعني قد تورط في عملية بطش أو ساهم في الفساد المالي وأكل السحت.
ـ من يقرر ذلك؟
ـ مؤتمر الحزب العام بآلياته المعنية وطبعاً ما يجري في السودان لا يخفى على أحد.
ـ متى سيعقد هذا المؤتمر؟ سبق أن حدد له أكثر من موعد.
ـ المؤتمرات الولائية يجري الإعداد لها تمهيداً للمؤتمر العام.
ـ هل أفهم أنها لن تنعقد في مواعيدها التي أشير إليها سابقاً؟
ـ ربما تتأجل.. حسب الظروف.. وحينها ستعلم كل قواعدنا بمواعيدها وإذا تأخر المؤتمر العام ستدرك القواعد الظروف التي دعت لذلك.. لكن دعني هذه المرة أنا الذي أسأل..
ـ تفضل.
ـ أناس كثيرون يتحرون عن شؤون حزبنا بحماس أكثر ممن هم أعضاء فيه.. هذا أمر يحيرني.. لماذا لا يدعوننا نرتب أمورنا بما يتفق مع ظروفنا.
ـ يا سيدي.. أنا أحد هؤلاء.. واعتبر سؤالك موجهاً لي ولبعض قرائي..المتابعون يهتمون بشؤون حزبكم من منطلق ان حزب الأمة من أهم أحزاب السودان إن لم يكن أهمها وهو أكبرهم بالتأكيد.. كل ما يدور فيه له آثاره على السودان كله ..من هذا المنطلق يتابع الناس ـ داخلياً وحتى خارجياً ـ شؤونكم الداخلية في الحزب.. ما الذي يضيركم في ذلك؟
ـ لا شيء يضيرنا.. ولكن...
رحلات خارجية
ـ عفواً.. قبل أن تواصل.. نزيدكم من الاستفهامات التي تشغل بال بعض أنصاركم.. وآخرين غيرهم : رغم كل مشاكل الحزب يتابع البعض رحلاتكم خارج البلاد ويتساءلون عن جدواها في هذه الظروف..فعلى سبيل ..
ـ «مقاطعاً» المتسائلون هؤلاء هم ناس «ود أبرق.. الطير المحلق»...ناسي أنا أعرفهم أما الآخرون فهم الذين لا يتجاوز أفق سفرهم ودنوباوي والكلاكلة ...(ضحك) باختصار كل رحلاتي إلى خارج السودان، واعترف أنها كثيرة، مرتبطة بمستقبل السودان ومصالحه.. قد لا يعرف الناس قدر الإرهاق الذي أتحمله في هذه الرحلات لكن كل ذلك في سبيل خدمة السودان..
أنا الآن في دبي قادماً من رحلة طويلة لكنني ظللت طوال يومين حبيس هذه الغرفة في الأوقات القصيرة التي انعتق فيها من الاجتماعات في قاعات أخرى.. لم أر شيئاً في هذه المدينة التي تناطح شهرتها السحاب ولم أرتد أسواقها حتى.. وهكذا كل رحلاتي أوظفها لصالح السودان.. وقد شرحت في بداية الحديث جانباً من مهمتي التي قذفتني إلى هنا.
ـ نلاحظ أن رحلاتك الكثيرة هذه لم تقدك إلى الولايات المتحدة.. هل لديك موقف يحول دون ذلك؟
ـ مبدئياً لا مانع من زيارة أميركا إذا رأينا ما يستدعي ذلك.. ولكن دعني أقولها بصراحة الإدارة الأميركية الحالية جاهلة بشؤون السودان.. بل هي جاهلة بكل أمور المنطقة التي تدخلت فيها من أفغانستان إلى الصومال مروراً بالطبع بالعراق.. وهذه الإدارة بكل صراحة ، ميئوس منها.. لن تنجز شيئاً لأنها جاهلة .. حتى ولو جمعت العالم في مؤتمر انابوليس لحل القضية الفلسطينية.
صدفة يوم المولد
يوافق اليوم 25 ديسمبر2007م عيد ميلاد المسيح عليه السلام عيسى بن مريم.. ويصادف هذا التاريخ تماما بلوغ الزعيم السوداني الصادق المهدي الثالثة والسبعين إذ ولد في مثل هذا اليوم.
وفي ذكرى ميلاده عام 2005 وفي احتفال بمناسبة بلوغه التاسعة والستين قال المهدي في ورقة قدمها في معرض جرد حسابه أمام جمع معتبر من المحتفين: «أيام طفولتي لم يكن هذا التقليد (تقليد الاحتفال) متبعاً.
ولكن بالنسبة لي استنته والدتي تفاؤلا بمصادفة يوم ميلادي لعيدين هما 25 ديسمبر وأول شوال من السنة الهجرية». وقال «تقليد الاحتفال بيوم الميلاد بدعة غريبة دخلت في تراثنا عن طريق المولد. وهنالك جوانب كثيرة من حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، استصحبها مسلمون قياسا على سير غيره من الأنبياء، ولاسيما موسى وعيسى عليهما السلام.
ومن سيرة موسى إعلاء شأن المغازي. ومن سيرة عيسى إعلاء شأن الكرامات، ومنها أيضا إعطاء قيمة روحية خاصة لميلاد المسيح. وهذا التقليد احتفالا بمولد محمد «ص» بدعة لذلك رفضها الظاهريون المسلمون الذين سموا نهجهم أنصار السنة.
ولكن بنظرة أكثر إحاطة بالسنة، نجد أن استصحاب النافع من غير مصادر الوحي من السنة - مثلا النزول بماء بدر، وحفر الخندق، اتخاذ الأذان للصلاة. فإن كان الاحتفال بالمولد يذكر بسيرة صاحبه ويخصب العلاقات الاجتماعية ويفتح بابا لتثاقف الأجيال الجديدة وإدخال المسرة في نفوسها، فإن هذه المنافع ترد على كل تحفظات الظاهريين».
حوار: محمد كاره