في مواجهة السوداوية الكبيرة التي خيمت على صورة الولايات المتحدة في العالم، وخصوصاً بعد الحرب الجارية في العراق، تحركت دولة المؤسسات الأميركية لمحاولة تبديد هذه القتامة عبر محاولات عدة لتلميع المواقف، وتبرير الأفعال، على حد سواء.
هذا هو ـ ربما ـ سر القوة الأميركية: دولة مؤسسات راكمت تجارب ديمقراطية مهمة، مكنتها من ترسيخ آليات تصحيح وتقويم للمسار، وإيجاد الحلول.
ولأن التلميع يختص بالصورة، وهذه مجالها الإعلام، تحركت الآلة الأميركية باتجاه دبي لسببين:
الأول، الاعتراف برسوخ مكانة دبي كمركز عالمي للإعلام. والثاني اختيار المكان الأكثر يسرا في تنفيذ المهمة والوصول إلى قرية كونية تتعاظم حدودها في دبي.
على هذا الأساس، زار المدير العام لمكتب الإذاعات الدولية الأميركي جيمس غلاسمان دبي، لمحاولة توسيع المشاريع الإعلامية الأميركية، كقناة «الحرة» و«راديو سوا»، وتقريبها فيزيائيا من الجمهور المستهدف انطلاقا من مدينة دبي للإعلام.
في مائدة مستديرة مع غلاسمان، في فندق «روتانا تاورز» في دبي، عرض المسؤول الأميركي لتجربة «الحرة» التي بدأت البث قبل نحو أربع سنوات، وقبلها بعام انطلاق بث «راديو سوا»، فبدا راضيا عن الأداء مع الحاجة المستمرة للتطوير، قال إن المؤسستين نجحتا تقريبا في استقطاب اهتمام ما يصل إلى أربعة ملايين شخص في مختلف بقاع العالم.
حتى ان غلاسمان ذهب في تقديراته المتفائلة إلى القول ان قناة «الحرة» في العراق، هزمت قناة «الجزيرة» من حيث المقدرة على استقطاب العقول والاهتمام.
أضاف أيضا أن مكتب الإذاعات الدولية الأميركية، الذي زاد اهتمامه بالشرق الأوسط في العام 1992، بدأ بموجات إذاعية متوسطية على ال«اف ام» وال«ايه ام»، قبل ان يتوسع في بثه بهدف «نشر الحرية والديمقراطية وقيم التفاعل الايجابي بين الشعوب».
وتستند الفلسفة الإعلامية الأميركية، بحسب غلاسمان، إلى تعددية التنافس على الأثير الإعلامي بهدف التأثير، ولـ «ندع المشاهد نفسه يبحث عن الحقيقة بين كل ما تبثه القنوات المتعددة».
«البيان» سألت المسؤول الإعلامي الأميركي: إذا كان الهدف هو إظهار الصورة المشرقة للولايات المتحدة هنا في المنطقة، فلم هذا البعد الفيزيائي ل«الحرة» و«راديو سوا» عن المنطقة، لم تبثا من الولايات المتحدة؟
هنا بدت قناعات غلاسمان مستقلة إلى درجة كبيرة، فهو يفضل الانتقال إلى المنطقة المستهدفة، ومن اجل ذلك كشف عن ان الهدف من زيارته الحالية إلى دبي، هو توسيع أنشطة البث الإعلامي الأميركي انطلاقا من مدينة دبي للإعلام، وهو يطمح إلى زيادة حصة البرامج الحوارية التي تناقش قضايا المنطقة من برنامجين أسبوعيا إلى بنامج يومي.
ولماذا دبي؟، يبتسم المسؤول الأميركي وكأن الإجابة في بطن السؤال، «لأننا جميعا ندرك أن مدينة دبي للإعلام باتت مركزاً إعلامياً عالمياً»، فضلاً عن مكانة دبي ونجاحها الباهر في استقطاب اهتمام العالم أجمع.
أضاف أيضا ان ما يخطط لعمله في دبي، هو نفسه الذي يسعى إلى تحقيقه في العاصمة المصرية القاهرة، التي يزورها الشهر المقبل.
وفي الموضوع نفسه يتمنى غلاسمان أن يفعل ويوسع عمل مكتب الإذاعات الدولية، حتى داخل الولايات المتحدة، ويتمنى لو كان في وسعه أن يبدأ البث الإعلامي باللغة العربية للناطقين بها في الولايات المتحدة، لكن «القانون الأميركي يمنع ذلك».
وعلى المائدة المستديرة أيضا، لا يمكن فصل الإعلام عن السياسية، ولا يخفى على الجميع علاقة «الزواج الكاثوليكي» بينهما، لكن غلاسمان سعى جاهدا للنأي عن الألغام الكامنة في حقل السياسة، عبر التشديد على مهمته الإعلامية المهنية البحتة.
ذلك لا يصمد طويلاً أمام السؤال عن مدى حيوية الإعلام للساسة الأميركيين بوصفه أداة لتلميع الصورة، وكيف يمكن ل«الحرة» و«راديو سوا» مثلا ان تواجها تحدي النظرة السلبية تجاه السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وذهبت «البيان» إلى ابعد من ذلك، بتذكيره أن ما يزيد صعوبة مهمته هو انه حتى جميع المسؤولين الأميركيين المكلفين بتلميع الصورة، بدأوا يقفزون من قارب البيت الأبيض وآخرهم كارين هيوز؟
سارع غلاسمان إلى القول « لا، كارين هيوز استقالت بعد عامين من عملها لأسباب عائلية بحتة، فهي تضطر بشكل شبه يومي للسفر من واشنطن إلى تكساس حيث تقطن عائلتها»، لم يبدو على ملامحنا اننا اقتنعنا، فواصل « نحن لا ندافع عن سياسات بل ان مهمتنا تتركز في الحقل الإعلامي المهني، يهمنا عبر أدواتنا ووسائلنا ان نمارس ديمقراطيتنا أمام الآخرين، كما يهمنا أن نطرح للنقاش القضايا المتصلة بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان كالمرأة مثلا».
غلاسمان اختتم بأن المؤسسات الإعلامية الأميركية هذه لا تزال في بداية الطريق، وبدأت تضع أقدامها على أسس صلبة بنتها جيدا عبر السنوات القليلة الماضية، و«سنلتقي بعد وقت ليس طويلا لنرى ماذا ستسألوننا عندها».
بالتأكيد سيكون هناك الكثير من الأسئلة في الانتظار، ليس لموقف مسبق، بل لأن من يتحرك أكثر يثير الكثير من الاهتمام..والغبار.
إضاءة
مكتب الإذاعات الدولية، هو وحدة مستقلة يتم تعيين أعضاء مجلس إدارتها من قبل الرئيس الأميركي. يضم مجلس إدارة تسعة أعضاء أربعة من الحزب الديمقراطي ومثلهم من الحزب الجمهوري، والرئيس يتم تعيينه من قبل وزارة الخارجية الأميركية. تبث وسائل الإعلام التابعة للمكتب ب57 لغة عبر العالم، كما تستهدف في بثها 22 دولة في الشرق الأوسط.
يركز المكتب في عمله على نقاط ساخنة بالنسبة للولايات المتحدة مثل كوبا، إيران، والعراق، كما أن إذاعة «صوت أميركا» التابعة للمكتب، تركز على افريقيا. بينما «راديو الحرية» يستهدف أساسا باكستان والجمهوريات السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى.
دبي ـ خالد أبوكريم