ربما لحرثه الطويل في حقل السياسة الخارجية، كان السفير الأميركي في بغداد ريان كروكر دبلوماسيا فوق طاقة ناقل المعلومة ما استفز الصحافيين الذين حضروا أمس مؤتمره الصحافي في دبي وسعوا جاهدين لانتزاع ما يمكن انتزاعه.. من دون طائل.

العلاقة بين الصحافي والدبلوماسي في ذلك المؤتمر انجرفت إلى غير وجهة الطرفين، فحماس الصحافي للكشف والسبق قوبلت بصد الشعار الدبلوماسي العام، فكان أن خسر الطرفان: لا الدبلوماسي نجح في استثارة الصحافي لدفعه إلى واجهة الصحف، ولا الصحافي تحمس لنقل وقائع المؤتمر،

فكان لا بديل عن الاكتفاء بترديد ما تردد مسبقا: لا حل عسكريا للازمة النووية مع إيران، والوضع الأمني يتحسن أكثر في العراق، فضلا عن جزمه بضرورة «اجتثاث إرهاب حزب العمال الكردستاني»، لكن بخطوات مدروسة بحذر.

ورغم أن كروكر يخدم سياسة الولايات المتحدة الخارجية في اشد البقاع التهابا (العراق)، إلا أن الموضوع الإيراني كان طاغيا وبقوة على أسئلة الصحافيين، الذين يتوجسون شيئا ما تحت الطاولة مع تدفق التقارير الأميركية عن سيناريوهات عسكرية، يبقى الصحافي العربي محروما من تسريباتها رغم كل محاولات اختراق دوائر المسؤولين الأميركيين الذي لا يطيب لهم سوى التسريب لوسائل إعلامهم.

الموضوع الإيراني ابتدأ من سؤال عما إذا كان المقترح السعودي الأخير الخاص بتمويل محطة سويسرية لمد إيران بالوقود النووي اللازم لبرنامجها، سيطفئ فتيل الأزمة ولو جزئيا، فكان الرد الدبلوماسي حاضرا، قال كروكر إن « التزامات إيران واضحة وجلية، ولا حاجة لتكرارها،

وهي تتركز في شفافية برنامجها النووي وتمكين وكالة الطاقة الذرية من مراقبته من دون قيود»، قبل أن يستطرد حين أحس بإلحاح الصحافيين: «أؤكد لكم على أن الخيار العسكري غير مطروح، اننا جادون تماما في السعي إلى حل دبلوماسي وسياسي للازمة مع إيران،

لكن هنا أود أن أكون أكثر وضوحا: لا تهاون مطلقا من جانبنا في ما خص تطلعات إيران لامتلاك السلاح النووي». وهكذا بقي الارتباك حاضرا، التصريحات الرسمية الأميركية تتذبذب ما بين التهديد بالقوة العسكرية، والتشديد على التمسك بالخيار الدبلوماسي.

«البيان» حاولت فتح كوة في جدار هذا الارتباك المريب، فسألت السفير الأميركي: الجنرالات الأميركيون يقولون إن نسبة الهجمات ضد قواتهم في العراق التي تستخدم فيها أسلحة أو متفجرات إيرانية تراجعت وتكاد تكون معدومة،

بينما الإدارة الأميركية تستدعي حاملة الطائرات «هاري ترومان» لتنضم إلى أضخم حشد بحري أميركي في منطقة الخليج، فهل هذا يشير إلى أن الدبلوماسية الأميركية تصعد مع إيران، بينما الجنرالات الأميركيون يحاولون التهدئة؟

هنا، قدم كروكر عرضا مفصلا لرؤيته بالقول: «أولا هناك فجوة بين تصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأن العراق وعما يفعلونه على الأرض العراقية.. وثانيا، أنا لا أميل إلى تقويم تراجع العمليات العسكرية المدعومة بأسلحة إيرانية،

فقد يكون السبب هو امتناع ميليشيات حليفة لطهران عن الهجمات أصلا، أو قد يكون الأمر لنجاح قوات التحالف والقوات العراقية في منع هذه الهجمات، لكننا لا يجب أن نربط هذا الأمر بتوجه سياسي إيراني لمصلحة تهدئة الأوضاع في العراق،

بل ما زال دورهم سلبيا، حتى أن مشكلة تسرب المقاتلين والأسلحة عبر الحدود السورية لا تزال قائمة». وتابع القول: «أنا شخصيا لا علم لي بأوامر تحريك الحاملة هاري ترومان، لكنني باختصار لا أجد أي رابط لذلك مع الموضوع الإيراني».

وعلى صلة، دعا كروكر العرب إلى المبادرة إلى لعب دور ايجابي وفعال في العراق، وقال انه خلال جولته الحالية، لمس ميلا لدى الأطراف العربية للعب مثل هذا الدور، من دون أن يفصل، مكتفيا بالإشارة إلى أن القوات الأميركية نجحت في جعل المنطقة الخضراء ومناطق السفارات آمنة، ولا خطر على رعاياها.

هذا التصريح استتبع الاستفسار عن سبب معاناة الإدارة الأميركية من نقص في عدد الدبلوماسيين المستعدين للذهاب إلى العراق، إن كان الوضع آمنا ، فسارع كروكر إلى التأكيد على انه لا وجود لمثل هذه الأزمة،

لكنه هنا نحا إلى الواقعية بالقول« نعم نحن ندرك أن الوضع خطير جدا، ولدينا المئات من العاملين في السفارة فنحن الدبلوماسيين اقسمنا على خدمة بلادنا، والتراجع يعني الحنث بالقسم الذي يجرمه دستور بلادنا، ورغم علمنا بالمخاطرة الكبيرة فإننا مستعدون لأداء الواجب».

في ما يتعلق بموضوع الساعة في العراق؛ الأزمة الناشبة على الحدود مع تركيا، قال السفير الأميركي بحذر شديد وبتوازن دقيق في الكلمات « نحن مع اجتثاث إرهاب حزب العمال الكردستاني.. لكن علينا الحذر الشديد في الخطوات المتخذة لانجاز ذلك، وهذا ما نحرص عليه في اتصالاتنا مع أنقرة ومختلف أطراف الأزمة».

وهو يشير بذلك إلى مأزق جديد لدى الإدارة الأميركية المتعلق في محاولتها إرضاء حليفتها تركيا، لكن في نفس الوقت محاولة الحفاظ على ما يمكن وصفه أميركيا بـ «النموذج الديمقراطي» في إقليم كردستان.

بقي موضوع شركات الحراسة الخاصة العاملة في العراق، والضجة المثارة حول عملها بعد ارتكابها مجازر راح ضحيتها مدنيون أبرياء، وفيه قال كروكر بشكل ضمني انه لا تغطية على هذه الأفعال، لكن يتم التعامل معها بحكمة وعقلانية،

وأوضح « نجري تحقيقات موسعة ومعمقة وجادة في عمل شركات الحراسة، على مستوى وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومكتب التحقيقات الفيدرالي ( اف.بي.آي)، وننسق هذه التحقيقات للوصول إلى الإطار الأمثل الذي نظم عمل هذه الشركات».

لكنه استدرك بالتأكيد على إشادته بعمل وكفاءة حراس الشركات هذه، وأكد على انه يتولى حمايته هو شخصيا أفراد أميركيون من هذه الشركات، وهم «في غاية الكفاءة والاقتدار»

دبلوماسي عابر للحدود والتجارب

كان لافتا في المؤتمر الصحافي الذي عقد أمس في فندق روتانا تاورز في دبي، هو إتقان السفير ريان كروكر المثير للإعجاب باللغة العربية، وكان طريفا حقا أن يسأل بعض الزملاء الصحافيين باللغة العربية فلا ينتظر كروكر الترجمة بل يبادر إلى الإجابة لكن باللغة الانجليزية.

كانت هذه الميزة في السفير ريان كروكر ناجمة عن سني خبرته الطويلة في المنطقة، فهو كان عمل قبل تعيينه في بغداد في مارس 2007 سفيرا في اسلام اباد، وقبلها في دمشق حتى العام 2001، وقبلاً في الكويت، حتى انه عمل سفيرا لبلاده في بيروت في أحلك لحظاتها حين اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان في العام 1982

وما تبع ذلك من التفجير الشهير لمقر قوات مشاة البحرية الأميركية «مارينز» في العاصمة اللبنانية. وينتمي كروكر إلى عائلة عسكرية، وهو ما أتاح له الدراسة في المغرب وكندا وتركيا. كما انه أرسل في العام 2002الى أفغانستان لافتتاح السفارة الأميركية في كابول

دبي ـ خالد ابوكريم