مع دخول شهر رمضان الكريم تبدو الأسواق اليمنية تعج بحركة دؤوبة إذ ينتعش الطلب على السلع عامة وعلى السلع الرمضانية بوجه خاص وسط تقاليد تحث على الميل إلى سلوك استهلاكي منقطع النظير مرده تزايد رغبات التشهي المتولدة عن الصوم طيلة النهار وإلى إصرار الأطفال على تزخر موائدهم بمثل موائد أقرانهم من أطباق مخصصة لهذا الشهر دون غيره.
وسرت العادة أن تكون أطباق وأصناف الطعام مماثلة لبعضها بالاسم وإن اختلفت بالمكونات أو الطعم أو المذاق حسب الإمكانات المادية.. المهم أنها تعطي الشعور بالاطمئنان لوجودها داخل هذا المنزل كما هي في غيره على مدار أيام الشهر الفضيل.
وما ان يبدأ العد التنازلي لشهر شعبان حتى تمتلئ الأسواق بكل ما لذ وطاب من السلع التي تجلب خصيصا لإعداد أطباق نوعية لا تعد سوى للمائدة الرمضانية فالعادة التي درج عليها اليمنيون هي أن يقدموا أطباقا مختلفة عن المعتاد عليه اعتقادا منهم إما أنها وحدها التي تلائم الصيام وتقي من العطش طيلة النهار أو لأن الكل يقبل عليها في هذه الفترة الاستثنائية تلبية لرغبة الصائم أو نزولا عن إلحاح الصغار على أن يكون لهم ما لجيرانهم أو أقاربهم.
ويقول عبدالودود العريقي إن العادة «جرت على تختلف المأدبة اليمنية الرمضانية عنها في بقية الأيام حيث تمتلئ بأنواع محددة مثل الشفوت الذي يعتقد انه الأنسب لإفطار الصائم ويتكون من فطائر خاصة تسمى اللحوح تحضر من دقيق الذرة وتوضع في صحن خاص ثم يصب عليها اللبن أو الزبادي المخلوط بالشطة والثوم ويترك نصف ساعة حتى يتشرب ويتناوله الصائمون بعد الإفطار مباشرة.
ولا يكاد يخلو منه بيت يمني خلال هذا الشهر ونادرا ما يحضّر في الأيام العادية حتى أنه اكتسب لقب الطبق الشعبي الرمضاني وتستعد ربة البيت لتوفير مواده باكرا بالملحة لإعداد وتحضير اللحوح ومثلما يحرص الكبار على الشفوت كذلك يفعل الصغار وتخصص لهم أقراص وأطباق صغيرة.
السمبوسة المحشوة باللحم أو العدس والخضار ربما تكون الأكثر ولعا عند الكبار والصغار لكنها لهؤلاء الأخيرين تكتسي دلالة خاصة يحملها الصبي أو الفتاة ليباهي بها أقرانه والذين لا يحضرونها في منازلهم يصرون على آبائهم أن يحضروها لهم من المحلات التي تتكاثر في شهر رمضان في كل الشوارع والحارات وكذلك الباجية التي تحضر من الفاصوليا الحراء البلدية المهروسة وتمزج بالبهارات ثم تقلى بالزيت تحظى بنصيب وافر في المأدبة الرمضانية وبقدر ما يحرص الكبار على تناولها بتعلق بها الأطفال بشكل أكبر.
ويقول علي عبدالله مدهش إن الشوربة تظل غائبا طيلة العام ثم يهل بطعمه ومذاقه المميز من أول يوم من أيام رمضان ليستفتح به الصائم إفطاره ويتغنى به الأطفال مع قدوم الشهر فرحا واستبشارا وتختلف شربة الحساء من منطقة إلى أخرى وهو وإن كان يحضر من القمح المجروش.
إلا أن طريقة تحضيره تختلف من منطقة إلى أخرى ففي مناطق تعز وإب يحضر من القمح المجروش والحليب وفي المناطق الوسطى يضاف إليه اللحم والبهارات وهناك من يحضر هذا الحساء من الخضار أو العدس وفي كل الأحوال يعد هذا الطبق رمضانيا بامتياز بعد في كل بيت يمني وتتحكم فيه العادة أو الظروف المادية وكما للكبار فيه نصيب وافر يكون للصغار النصيب الأوفر خاصة انه أسهل هضما لهم.
ويستطرد مدهش قائلاً إنها «ليست العادة وحدها التي تتحكم بهذا الطبق ومكوناته بل الإمكانات المادية هي التي تحدد نوعية تلك المكونات»، مشيرا إلى أن ثمة عادات قد ترسخت في مناطق معينة ألفت أطباقاً خاصة، لكنه يقول إن هناك في المقابل عادات جديدة تستقر وتنتقل من منطقة لأخرى نتيجة الاحتكاك والتواصل ما أدى إلى انتشار عادات وتقاليد غذائية من مكان إلى آخر
لكن مدى استخدام هذه المكونات أو تلك تتوقف على القدرة المادية من شخص إلى آخر فالحساء الذي يدخل اللحم في تكوينه لا يقدر عليه إلا الميسور أما من لا يقدرون عليه يحضرونه من الخضار أو من القمح المجروش والحليب المهم أنه يعطينا حساء لابد أن يحضر يومياً طيلة شهر رمضان وفي كل بيت يمني ولا يمكن لأحد أن يتخلى عنه بسبب ما يشاع عنه من انه طبق ضروري لبدن الصائم يبلل جوفه ويحرك دورته الدموية وعادة ما يستفتح به الصائم إفطاره اليومي على مدار أيام الشهر.
الطبق الآخر الذي يحل ضيفا على مائدة اليمنيين طيلة أيام رمضان المهلبية ولا يحرص عليه فقط الصائمون بل والأطفال الذين يدركون أن كل أقرانهم من الجيران والأهل يتذوقون هذا الطبق حلو المذاق الذي يسيل له لعاب الأطفال قبل ذويهم من الكبار ولهذا يعمل رب الأسرة جاهدا على تأمين هذا الطبق.
هناك أيضا أطباق الحلويات هي الأخرى تحل ضيفا دائما على مأدبة رمضان ويجري إعدادها بأساليب مختلفة من بيت إلى آخر طبقا للعادة والقدرة المادية فضلاً عن أن الباعة وصناع الحلويات يتكاثرون في الأسواق خلال الشهر ليلبوا القدرات الشرائية المتفاوتة للمتسوقين كل حسب طلبه ومستوى دخله والأهم أن يوفروا هذا الصنف الرمضاني وبما يشبع الحاجات الملحة وينسجم مع العادات الرمضانية.
وعموما، يبدو واضحاً أن تزايد رغبات الصائمين تلتقي مع جموح أطفالهم في هذه المناسبة السنوية إلى أطعمة مختلفة تتقلب لها الأمزجة وتتحفز الرغبات لاختيار أصناف غذائية لا تتوفر ولا تحضر في غير هذا الشهر لكن بين حرص الكبار وولع الصغار بتناول تلك الأصناف لابد بالمقابل من الحرص على الموازنة بين الإسراف والتقتير حتى لا يتحول الشهر الفضيل إلى مناسبة للتبذير أو الحرمان وهو ما لا يستقيم مع التعاليم الربانية.