ما كان طرفة سوداوية على أنقاض الحرب، أضحى واقعا يبعث على بعض التفاؤل في زمن الانتظار. فلطالما أعرب عدد من الشبان اللبنانيين بنبرة ساخرة عن خشيتهم من عزوف اللبنانيات عن الارتباط بهم، بعد قدوم جحافل الايطاليين والاسبان والفرنسيين، بكامل عتادهم العسكري ووسامتهم وثرائهم، مشيرين إلى ان ذلك سبب إضافي للهجرة. تلك كانت مفارقة، لكنها أصبحت حقيقة مع بدء اقتران الصبايا بهؤلاء القادمين من وراء البحار.
وبعد عام على دخول قوات حفظ السلام الدولية إلى لبنان «اليونيفيل»، برزت في مناطق الجنوب اللبناني ظاهرة ارتباط الفتيات بجنود أجانب يعملون في الكتيبتين الإيطالية والإسبانية اللتين تجمعهما بلبنان جذور متوسطية مشتركة،
وقد عقد في الفترة الأخيرة قران الكثيرات منهن على جنود أنهوا مهامهم العسكرية بعد ستة أشهر من الخدمة في الجنوب وقرروا العودة إلى بلادهم مع زوجات لبنانيات وجدوا فيهن شريكات العمر ورفيقات الدرب الطويل. أولى الفتيات الجنوبيات كانت سهى عودة التي عملت لسنوات طويلة مع «اليونيفيل» وتسلمت مهام جديدة إضافية بعد دخول القوة الدولية هذه مجددا بموجب القرار 1701.
تقول سهى لـ «البيان» لطالما رددت أنني أريد الزواج بأجنبي وبالتحديد إيطالي لشدة إعجابي بهذا البلد وأهله بعدما زرته مرارا وتكرارا، لم أوفق طيلة السنوات الماضية في اختيار رفيق عمر إيطالي وبدأت بعد أن يئست من الموضوع في البحث عن منزل في إيطاليا لأمضي فيه بقية حياتي بعد انتهاء مهامي في اليونيفيل،
ووقعت حرب يوليو ودخلت دفعة جديدة من الجنود والطيارين الايطاليين، وبينهم جيفري، الذي جذبني منذ رأيته بهدوئه ورقيه ورصانته، توطدت الصداقة بيننا وتطورت إلى علاقة حب حيث كنت ألتقيه يوميا في مركز عملي حيث تتمركز الكتيبة الإيطالية إلى جانب عدة كتائب من بلدان مختلفة، تعرف إلى عائلتي وتقبل بشكل كبير عاداتنا وتقاليدنا وتفهم طريقة تفكير مجتمعنا العربي،
بعد ستة أشهر من انتهاء مهمته في الجنوب طلب مني الزواج وتقدم إلى أهلي مباشرة طالبا يدي، وافق إخوتي كونهم متعلمين ومنفتحين يعيشون في الخارج لكن والديّ عارضا الأمر في البداية لسبب واحد هو اختلاف الديانة، لكنهما أمام إصرارنا معا واستعداده لإعلان إسلامه وافقوا وعقدنا القران على يد أحد شيوخ المنطقة.
دنيا عطا الله، فتاة لبنانية أخرى من منطقة مرجعيون الحدودية، ارتبطت بجندي سلام إسباني بعد علاقة حب استمرت لأشهر، تعرفت دنيا إلى خوان أثناء عملها في أحد المتاجر التي افتتحت حديثا مع دخول «اليونيفيل» في أعقاب حرب يوليو.
تقول دنيا «تركت جامعتي في بيروت وقررت العمل هنا بطلب من صاحب المتجر الذي كان يعرف أهلي وألح علي بتسلم متجره لإتقاني اللغة الإنجليزية ببراعة كون أمي معلمة لغة، بعد مضي شهر على عملي حيث كانت تتمركز في منطقتنا الكتيبتين الإسبانية والبولندية تعرفت إلى خوان الذي قصد المتجر مع رفاقه لشراء بعض الألبسة والحاجات،
أعجبت به من النظرة الأولى وهو أيضاً لم يرفع عينيه عني. راح يمازحني بلغة إنجليزية متعثرة، طلب مني الزواج ليوم واحد فثار غضبي لأنني لم أكن أعلم أن ذلك أمر طبيعي في بلدانهم أن يختار اي إسباني فتاة تعجبه ويمضي معها يوم أو أكثر، أصر على دعوتي قبل المغادرة إلى أحد المقاهي،
تحدثنا في أمور كثيرة خلال جلستنا الأولى، ثم تكرر اللقاء عدة مرات ليعترف لي لاحقا بحبه ونيته الارتباط بي، طلبت منه التعرف إلى أهلي بعد أن تنتهي مهامه ويطلب يدي رسميا حيث لم يكن مسموحا لهم زيارة بيوت مدنية أثناء خدمتهم، وما أن انقضت الأشهر الستة حتى سارع لزيارتنا تعرف إلى والدي وشقيقي وزوجته وتناول طعام الغداء عندنا،
شعرنا وكأنه فرد من العائلة وقبل أن يغادر تحدث إلى عائلتي طالبا يدي واعدا بالعودة لإتمام مراسم الزواج بعد أربعة أشهر سيمضيها في أسبانيا. وهو ما تم فعلا بعد عودته. حجزنا في الكنيسة ويوم الأحد أقمنا الزفاف الذي صورته وسائل إعلام عربية وأجنبية وحضره أهالي مرجعيون وقرى أخرى، كان أول زفاف من جندي سلام يجري في الجنوب.
خوان من جهته تحدث لـ «البيان» فقال إن أكثر ما شده إلى زوجته اللبنانية هو« طيبتها ووفاؤها له وتمسكها بتقاليدها وبالعلاقة التي جمعتهما على عكس الفتيات الإسبانيات حيث تذهب الفتيات مع من يعجبها وتقيم علاقات كثيرة بعيدا عن الارتباط الجدي».
الخبير في علم النفس الاجتماعي الدكتور سلمان قعفراني، يعلق على هذه الظاهرة بالقول: إذا استثنينا قصص «الحب الأعمى»، فان زواج الفتيات الجنوبيات من جنود وضباط اليونيفل يبدو أمرا عاديا ومفهوما. فمما لا شك فيه في أن وجود حوالي 12000 جندي أجنبي بموجب قرارات دولية وإجماع داخلي سيؤدي إلى نوع من الاختلاط والتزاوج وهو أمر عرفته الشعوب على مدار التاريخ.
هناك العديد من الظروف التي تدفع اللبنانيات للقبول بالزواج من الجنود الأجانب. فالرغبة الخفية بكل ما هو غريب وأجنبي ليس غريبة على احد، والرغبة المعلنة بالهجرة التي يعبر عنها اللبنانيون بكثير من الهوس ظاهرة عامة وشاملة.
وهناك أيضاً الرغبة بالخروج من المأزق الاجتماعي الذي يعيشه الجنوبيون بقلق كبير منذ حرب يوليو العام 2006. وإذا أضفنا إلى كل ذلك الأزمة الاقتصادية وأزمة الزواج الذي يطال الجنسين فان الزواج من الجنود الأجانب يصبح أمرا واقعيا وعقلانيا بمعزل عن حالات الود والحب التي يصرح بها كلا الطرفين.
جنوب لبنان ـ ثناء عطوي: