واصلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أمس نشر مقالات للحاكم المدني الأميركي السابق في العراق بول بريمر، والتي يدحض من خلالها تهماً عن اتخاذه وحده من دون علم الرئيس الأميركي جورج بوش قرارا بحل الجيش العراقي السابق.
وتحت عنوان «كيف لم أفكك الجيش العراقي». يقتبس بريمر نصاً من تقرير لوزارة الخارجية الأميركية باسم «مشروع مستقبل العراق» وأعد في مايو 2002، يقول «الجيش العراقي للمستقبل لا يمكن أن يكون امتداداً لهذا الجيش الذي هو أداة للديكتاتورية».
وتالياً نص المقال: باتت اليوم الحكمة التقليدية أن قرار حل جيش الرئيس الراحل صدام حسين كان خطأ فادحاً، ويتعارض مع التخطيط الأميركي قبل الحرب على العراق 2003، وكأن القرار الذي اتخذ لاحقاً يقع على كاهلي. إن القرار اتخذ بعناية قصوى من المستويين المدني والعسكري في واشنطن وكان الصائب.
وبحلول الوقت ومع سقوط بغداد في 9 أبريل 2003، حل الجيش العراقي نفسه بنفسه، بعد أن تسرب جميع عناصره من المؤسسة العسكرية ولبسوا الثياب المدنية واختفوا بين جموع العراقيين، وفي 17 أبريل ذكر نائب قائد الجيش الأميركي في القيادة المركزية الجنرال جون ابي زيد حينها في اجتماع مع مسؤولين في واشنطن أنه لا يوجد تنظيم لوحدات الجيش العراقي وجميع عناصره غادروا وحداتهم، وتابع والقول لأبي زيد أن «غياب الجيش العراقي السابق لن يؤثر على خطط الحرب».
وبالتالي فإن السؤال هو «ما إذا كانت سلطة التحالف المؤقتة قادرة الآن على بناء جيش جديد؟»، ويؤكد بريمر أن الإدارة الأميركية قررت حينها أن يعهد إلى قوات التحالف بناء جيش للعهد الجديد. وبعد أسابيع قليلة من تقييمات أبي زيد، ناقش مستشار التحالف لشؤون الأمن القومي والتر سلوكومب مع كبار المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» وبحضور نائب وزير الدفاع حينها بول وولفويتز خيارات عدة بشأن الأمن ومستقبل القوات المسلحة في العراق واتخذ القرار بـ «استحالة استدعاء عناصر الجيش العراقي السابق وقادته لأن الحرب دمرت كل البنية التحتية الخاصة بمؤسسة الدفاع العراقية.
وكان أحد الدوافع أيضاً، والذي شجع الإدارة الأميركية على حل الجيش العراقي السابق، يعود إلى تقديرات بأن المجندين الشيعة الجدد لن يستجيبوا لأوامر قادة الجيش السابق والذين كانوا أساسا من السنة، كما أن قرار الحل اتفق عليه لأن الجيش القديم من الناحية السياسية يعد رمزاً لحزب البعث والنظام السابق.
وفي 8 مايو 2003، وقبل أن أغادر العراق، تلقيت من وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد مذكرة عنوانها (مبادئ للعراق ـ المبادئ التوجيهية للسياسة العامة) والتي حدد الوزير من خلالها النشاطات الواجب على التحالف القيام بها لتصفية نفوذ البعث و(فدائيو صدام)، وأن المطلوب القضاء على مخلفات نظام صدام، وفي اليوم التالي اخبرني رامسفيلد انه أرسل المذكرة إلى مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس ووزير الخارجية حينها كولن باول.
وأجرى لاحقاً سلوكومب عدداً من المشاورات مع المسؤولين الأميركيين في واشنطن وبغداد، والتي أظهرت تفهما كبيرا وقبولاً لقرار حل الجيش السابق. وصاغ سلوكومب، من أجل إنجاز هذا الأهداف، ورقة لتقديمها إلى البيت الأبيض، كما أعددت بدوري مشروعاً أولياً لوزير الدفاع وفي اليوم التالي قدمته إلى المستشار العام في «البنتاغون» وليم هاينيس وإلى وولفويتز أيضا، واطلع عليه مساعد وزير الدفاع دوغلاس فيث ورئيس القيادة المركزية حينها الجنرال تومي فرانك و إلى مدير التحالف المدني في ذلك الوقت جاى غارنر، طالباً منهم تقديم تعليقاتهم على مشروع حل الجيش.
وتوجه سلوكومب في 13 مايو 2003 إلى لندن وأطلع كبار المسؤولين البريطانيين على خطة التسريح، إلا أن مسؤولين من الجيش البريطاني علقوا بالقول إنه من الأفضل «اعادة بناء الجيش القديم»، فيما لم يعطوا أي ملاحظات بشأن الجيش الجمهوري العراقي، ورغم ذلك يقول بريمر إن البريطانيين أجمعوا في النهاية على أنه لا بد من تشكيل قوة جديدة مناهضة للبعث.
وخلال الأسبوع التالي استمرت المناقشات حول خطط «البنتاغون» مع كبار المسؤولين وخلال الفترة نفسها تلقى قائد قوات التحالف في العراق الجنرال ديفيد ماكيرنان أوامر بحل الجيش القديم، وأرسلت المسودة النهائية المقترحة من اجل موافقته على 19 مايو 2003.
وتلقى المستشار سلوكومب تعليقات مفصلة على مشروع لدمج آراء هيئة الأركان الأميركية المشتركة ومكتب وزير الدفاع، ما يجعل من الواضح ان كبار الموظفين المدنيين والعسكريين في «البنتاغون»، وكذلك القادة في الميدان درسوا المشروع، وفي ليلة 22 مايو تم تنسيق نص الإعلان مع رامسفيلد وبحضور المستشار ورانس دي ريتا. وتم إدخال تعديلات طفيفة طلبها العسكريون الذين اعترضوا على إنشاء جيش عراقي جديد.
وفي 22 مايو، أرسل المشروع كاملاً إلى الرئيس بوش، وفي اليوم التالي بعث لي بوش برسالة نصها «لديك دعمي الكامل والثقة». ولم يكن وقتها القرار موضع خلاف في أي من أطراف الإدارة الأميركية، وعقد سلوكومب مؤتمراً صحافياً في 23 مايو لشرح قرارا حل الجيش السابق، ولم تظهر الشكوك بشأن هذا القرار إلى عندما تسارعت وتيرة العمليات لاحقاً في خريف العام 2003 في العراق. وبرغم كل شيء كنا على حق في بناء الجيش العراقي الجديد. حتى مع كل الصعوبات التي واجهت التحالف والنظام العراقي الجديد في بناء قوة موثوقة وتحمي الشعب العراقي.
ترجمة: رامي سلامة