تقف حركة «حماس» بعد سيطرتها على قطاع غزة بالقوة عاجزة أمام استحقاق «الخطوة التالية». فبعد أكثر من شهرين على «الحسم العسكري»، وجدت الحركة نفسها أمام تحديات تهدد ليس فقط مستقبل مشروعها في فلسطين، بل ومستقبل مشروع الحركات الإسلامية في المنطقة وقدرتها على الحكم.
والتحدي الأكبر الذي يُواجهه حُكم «حماس» في غزة هو الحصار. إذ حصرت الحركة نفسها داخل بقعة جغرافية صغيرة ومحددة، وفي إطار سياسي مغلق ما سهَّل على خصومها إحكام حصارهم عليهما. وكانت حكومتا «حماس» الأولى والثانية تعرضتا لحصار خارجي، إلا ان حكومتها الثالثة المقالة التي تحكم قطاع غزة اليوم تتعرض لحصار أشد. ففي عهد حكومة الوحدة الوطنية، تراجع الحصار الخارجي بصورة ملحوظة. ودأب الناطق باسم تلك الحكومة د. مصطفى البرغوثي على الإشادة بكل لقاء يعقده مسؤول غربي مع أي عضو في الحكومة مصوِّرا ذلك على انه انجاز كبير.
ولعب الرئيس محمود عباس «أبومازن» ووزير المالية في تلك الحكومة سلام فياض دوراً محورياً في تسويقها إقليمياً ودولياً، وهو ما فقدته حكومة هنية الحالية التي لا تجد اليوم من يدافع عنها في أي محفل خارجي، وبات جميع أعضائها أسرى في ما يبدو انه قفص مغلق. وأمام عجز حكومة هنية عن معالجة الملفات الداخلية في قطاع غزة مثل توفير رواتب الموظفين وحل مشكلة النفايات وتوفير الكهرباء، بدأ الدعم الشعبي الذي أوصل «حماس» إلى الحكم يتراجع بصورة ملحوظة.
وأظهر استطلاع للرأي العام صدر مؤخراً عن مؤسسة مستقلة أن حكومة سلام فياض التي تصفها «حماس» ب«حكومة الاستسلاميين» تحظى بشعبية تساوي ضعف تلك التي تحظى بها «حكومة المجاهدين» في قطاع غزة. وأوضح الاستطلاع الذي أجراه مركز «القدس للإعلام والاتصال»، وشمل عينة عشوائية من 1200 فلسطيني في الضفة وغزة والقدس أن 5. 46% من الجمهور الفلسطيني يرون أن أداء حكومة فياض أفضل من أداء حكومة هنية التي حظيت بتأييد 4. 24%.
ويُعزى السبب الرئيس وراء تقدم مكانة حكومة فياض وتراجع مكانة حكومة هنية، إلى فشل الأخيرة منذ تشكيلها أول مرة في مارس العام الماضي، في تلبية الحد الأدنى من توقعات الجمهور المتمثلة في الأمن الداخلي والاقتصاد والإصلاح الإداري.
وحكومة هنية تهزم اليوم ليس أمام حركة «فتح» التي لا تنهض من كبواتها المتلاحقة بل أمام النفايات المتراكمة في شوارع غزة، وأمام العتمة التي اجتاحت ليل القطاع إلى أن عاد الاتحاد الأوروبي واستأنف تمويله لفاتورة إنارة القطاع. وان كانت استطلاعات الرأي المتعاقبة تظهر تراجعاً ملحوظاً في شعبية «حماس»، إلا أن هذا التراجع لا ينعكس في ارتفاع شعبية حركة «فتح» التي لا تظهر أي إشارات صحو من هزيمتيها المرة في غزة، ومن قبل ذلك هزيمتها الأكثر مرارة في الانتخابات العامة.
فالاستطلاع الأخير الذي بين أن شعبية «حماس» تراجعت من 25% في مارس الماضي إلى 21 % بعد «الحسم العسكري»، أظهر أن شعبية «فتح» بقيت مكانها في حدود 34%. وفي ما يبدو انه إشارات استنجاد قادمة من القطاع المحاصر بين السماء والأرض، بدأت تخرج إلى الشارع تظاهرات وأصوات ناقدة لحكم «حماس» بعد أن اتضحت معالم الحصار الذي يدفعه ثمنه كل مواطن في غزة.
وآخر تقرير صادر عن الأمم المتحدة تقول إن الحصار أدى إلى إغلاق 85% من مصانع القطاع وتسريح 70 ألف عامل جديد بسبب عدم توفر المواد الخام. وكثيرون يرون في المظاهرات الأخيرة بداية تململ شعبي من الحركة، ومن حكمها الذي جلب الحصار، يضاف إليه أسلوبها الإقصائي الذي يضيق بالتعددية والصحافة والحريات. والسؤال الدائر في «حماس» اليوم هو: ما السبيل إلى رفع الحصار. أما السؤال الدائر في أوساط خصوم الحركة فهو: هل يكون ذلك بداية انتفاضة شعبية لإسقاط حكمها؟».
رام الله ـ محمد إبراهيم