وضع استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان على نار حامية محلياً وإقليمياً ودولياً، في ظل مساع محمومة لتجنب أي فوضى محتملة تنذر بها الخلافات المستحكمة بين القوى السياسية والمواقف النارية التي يطلقها زعماء الموالاة والمعارضة عشية نهاية ولاية الرئيس أميل لحود، وسط سباق العواصم اللاعبة لوضع بصماتها على صورة الرئيس المقبل فواشنطن وباريس تسرعان جهودهما لتقريب وجهات النظر ودمشق ترسل «إشارات» الترحيب باختيار بعض الشخصيات لخلافة لحود.
ومع اقتراب الدورة الانتخابية في مجلس النواب التي تستمر من 24 سبتمبر الحالي حتى 24 نوفمبر المقبل حين تنتهي ولاية لحود، كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة في بيروت أن الوسطاء الفرنسيين باتوا يركزون على دعوة قادة الصف الأول لطاولة الحوار إلى الاجتماع سريعاً في لبنان أو في باريس. وأكدت على أن محادثات جارية الآن في واشنطن بين الفرنسيين والأميركيين للتوصل إلى صيغة توافقية حول ملفي حكومة الوحدة الوطنية والاستحقاق الرئاسي.
ونفى رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يكون تلقى من السفير الأميركي جيفري فيلتمان، أجوبة عن أسئلة كان وجهها إلى وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس. وأشار إلى محادثات جارية الآن بين الولايات المتحدة وفرنسا يمكن أن تؤثر على المرحلة المقبلة، متمسكاً بتفاؤله حيال التوصل إلى اتفاق.
وتوقف بري عند ما سماها «الهجمات المفتعلة» التي يتعرض لها من «الأوركسترا المعروفة»، وقال إن الهدف منها قطع كل جسور التواصل وهمزات الوصل بين اللبنانيين «ولكن على رغم ذلك، فإن الأمل موجود ببلوغ التوافق وسأبقى متفائلاً رغم كيد المتشائمين».
من جانبه، صرح فيلتمان بأنه أبلغ بري التزام الولايات المتحدة «القوي» بوحدة لبنان ومؤسساته الدستورية. وأضاف أنه أكد على أن واشنطن تريد «كما رئيس المجلس أن ترى انتخابات رئاسية تجري في لبنان في موعدها طبقاً للدستور اللبناني، وكررت لرئيس المجلس موقفنا الذي يتوافق مع القرار 1559، بأننا نريد أن تجري الانتخابات اللبنانية من دون تدخلات خارجية ووفقاً للدستور». ورفض الخوض في موضوع النصاب الدستوري قائلاً إن تفسير الدستور شأن لبناني.
وبرز على نحو لافت ما أعلنه الوزير السابق سليمان فرنجية، باسم المعارضة، أنه مع انتخاب رئيس تختاره الموالاة ولو كان رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع وبغض النظر عن نصاب الجلسة، شرط سن قانون يعيد لرئيس الجمهورية صلاحياته. وكشف أن الرئيس السوري بشار الأسد يتكلم بـ «ود» عن النائب السابق فارس بويز كما عن قائد الجيش العماد ميشال سليمان. ونقل عن الأسد أن رئيس «تكتل الإصلاح والتغير» النائب ميشال عون محترم.
ونقل عنه القول: «نحن (السوريين) أخطأنا معه». وقال إن السوريين «ليس لديهم مشكلة مع النائب سعد الحريري، ويعتبرون موقفه مبرراً لأنه جاء في سياق رد الفعل الطبيعي على مقتل والده»، ومؤكداً أن المسؤولين السوريين لا يريدون الكلام مع رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط الذي «ذهب بعيداً جداً».
وفي سياق السجال السياسي، جدد العماد ميشال عون حملته العنيفة على حكومة السنيورة وفريق السلطة وخصوصاً جنبلاط، مستخدما تعابير حادة. إذ اعتبر أن «قوى 14 آذار جماعة تريد الاستئثار بالسلطة، ومفرطة بالفساد، لا يتجرأون على مشاركة احد لهم في السلطة لانهم فاسدون من جذورهم حتى رؤوسهم».
لكن كان لافتاً ما أعلنه عضو «تكتل الإصلاح والتغيير» النائب غسان مخيبر بعد لقائه البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير أن التكتل الذي يرأسه عون «لن يكون أداة تعطيل أو فراغ بل أداة مساعدة لإجراء الانتخابات في مواعيدها وضمن الأصول والشروط الدستورية وبتوافق اللبنانيين»، مذكرا بأن «كل الانتخابات التي جرت حصلت بنصاب الثلثين».
في المقابل، أكد المرشح الرئاسي النائب روبير غانم أنه «لا بد في النهاية من التلاقي على رئيس وفاقي لأن أي مخرج آخر أو بدعة أخرى غير الرئيس الوفاقي الذي يجمع عليه معظم شركاء الوطن، هو خراب لبنان».
وفي ما يتعلق بتلميح الرئيس لحود عن احتمال تعيينه قائد الجيش العماد ميشال سليمان على رأس حكومة انتقالية إذا لم يتم الاتفاق على حكومة وحدة وطنية ورئيس جمهورية جديد كان هناك الكثير من المواقف المنتقدة.. فيما استدركت أوساط قصر بعبدا لاحقاً أن موقف لحود مشروط بحصول توافق على سليمان «انطلاقاً من حرصه على الجيش».
وفي السياق، وجه رئيس الوزراء الأسبق د. سليم الحص كتاباً مفتوحاً إلى لحود قال فيه إن تصريحاته كانت خاطئة «إلى أبعد الحدود»، مضيفاً: «أنت بذلك إنما ترتكب خطيئة مميتة في حق وطنك».
وفيما أشاد الحص بالعماد سليمان رأى أن طرح فكرة إنشاء حكومة انتقالية بنهاية العهد يعني إيجاد حكومتين متصادمتين ومتناحرتين، محذراً من أن هذا «سيكون محرقة للبلاد ولقائد الجيش».
مجلس العلماء يدعو لاحترام القواعد الدستورية
أعرب مجلس العلماء في لبنان عن قلقه الشديد تجاه المرحلة السياسية المقبلة، داعيا عقلاء البلاد وحكماءها إلى تجنيب البلاد أخطار الفتن الطائفية والمذهبية ببث الوعي بضرورة نبذ العنف وكل ما يعود بالضرر والأذى على الوطن.
ودعا المجلس في بيان أصدره عقب اجتماع عقده برئاسة مفتى لبنان الشيخ محمد رشيد قباني إلى أن يكون انتخاب رئيس جديد في إطار التنافس بين المرشحين من جميع القوى السياسية. وأدان بشدة محاولات عرقلة أو تعطيل انتخاب رئيس جديد، مناشدا كل القوى السياسية الترفع عن الحسابات الضيقة واحترام القواعد الدستورية في الانتخاب.
ونبه إلى ما يمكن أن يترتب من مخاطر على الكيان اللبناني في حال عدم أجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. ورفض التهديد والتلويح بتقسيم لبنان، معتبرا أن ذلك يرتبط بمشروع خارجي. وأبدى مجلس العلماء تمسكه بالدولة وحدها كحاضنة للبنانيين جميعا وبالحكومة الشرعية برئاسة فؤاد السنيورة وبالوحدة الوطنية هدفا جامعا وموحداً.
بيروت ـ علي بردى