دخل لبنان مرحلة جديدة من الصراع السياسي حول انتخاب رئيس جديد للجمهورية الذي يضع البلاد في قلب أزمة مصيرية كبرى في ظل احتدام الخلاف حول الآليات الدستورية لإنجاز هذا الاستحقاق بين مؤيد لإتمامه بنصاب الثلثين وآخر مشترطا النصف زائد واحد، وتتخوف الأوساط السياسية اللبنانية من حدوث فراغ دستوري على مستوى الرئاسة في حال عدم انعقاد جلسة انتخاب الرئيس .

وبالتالي دخول البلاد في فوضى وحال من الاضطراب الأمني مع اشتداد الأزمة بين المعارضة والموالاة من جهة وبين مسيحيي السلطة ومسيحيي المعارضة من جهة ثانية، على وقع تصاعد الخلاف السعودي السوري الذي أعاد خلط الأوراق الداخلية بالخارجية وأضاع بوصلة المخارج المقترحة.

ويأتي لقاء الجماعة المسيحية في معراب الذي جمع بعض الشخصيات المسيحية المنضوية تحت لواء «14 آذار» ولقاء الرابية الذي تبعه والذي ضم غالبية القوى المسيحية ليعيد من جديد التأزم إلى الساحة المارونية التي يتجاذبها طرفا النزاع،

ويؤكد عضو تكتل التغيير والإصلاح النائب فريد الخازن لـ «البيان» أن لقاء الرابية ليس ردا على لقاء معراب الذي عقد لسبب داخلي يتعلق بـ «تيار 14 آذار» في محاولة للتوصل إلى اتفاق على اسم مرشحهم للرئاسة لكنهم ليسوا هم من سيحسم موضوع الاستحقاق الرئاسي، ولفت إلى أن «موقفنا كمعارضة نحن وحلفاؤنا ثابت ومحسوم بضرورة عدم إجراء الانتخابات

إلا باكتمال نصاب الثلثين ومن الصعب جدا الخروج عن هذه المعادلة التي تعتبر مخالفة دستورية خطيرة ستفتح المجال أمام مخالفات أكبر»، وقال إن الثلثين يعني التوافق وذلك لا يتحقق إلا من خلال حكومة شراكة ووحدة تؤسس لإعادة تكوين السلطة على أسس تمثيلية صحيحة تعبر عن تطلعات وطموحات كل الطوائف اللبنانية.

وأضاف الخازن أن المعارضة ملتزمة بآلية التوافق التي سيجري العمل بها لمواجهة ما يخطط له البعض، مؤكدا أن الخيارات لدى المعارضة عديدة ومتاحة وسنلجأ إليها في حال أصر الفريق الآخر على المضي بتوجهاته كي لا تؤول الصلاحية الرئاسية إلى الحكومة الحالية التي تعاني من عيب تمثيلي فيها.

قيادي من «قوى 14 آذار» أكد على أن حجم المشاركة المسيحية في لقاء معراب لناحية التمثيل الشعبي والحضور المهم في الوسط المسيحي يؤسس لولادة المرجعية المسيحية التي ستحدد أطر الاستحقاق الرئاسي المقبل، ولفت إلى أن الاجتماع اتسم بالجدية وتم خلاله التوافق على نقاط رئيسية في مقدمها الخروج بمرشح واحد من «قوى 14 آذار»

على اعتبار أن أي انقسام فيما بينهم سيؤدي إلى المجيء برئيس من خارج «14 آذار»، مؤكدا على التوافق على عدم الإعلان عن اسم الرئيس إلا في الساعات الأخيرة إفساحا في المجال أمام عمليات التوافق حول اسم مرشح من قوى 14 آذار،

كما جرى التأكيد على رفض تعديل الدستور كقرار غير قابل للمساومة بعيدا عن استهداف أي شخص من الموظفين كقائد الجيش أو حاكم مصرف لبنان، مع التشديد على إجراء الانتخابات وفق مواعيدها الدستورية وهو الهدف الأول والأساس وسيجري العمل لتأمين أكبر مشاركة نيابية

شرط أن لا يكون ذلك على حساب الاستحقاق وفي حال لم يتأمن نصاب الثلثين فسيتم الانتخاب بالنصف زائد واحد وهو أمر قانوني ودستوري وفق كل الدراسات القانونية، مشددا على سعي الأكثرية عدم السماح بأي تعطيل وعدم قبول أي تفاوض لتأجيل الاستحقاق أو إجراء هذه الانتخابات لولاية مختصرة.

ويبقى الرهان الأكبر على طرفي الاعتدال: بكركي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، فالأول كان أبلغ زواره بقراره الحاسم بعدم الانزلاق إلى أي تسمية أي مرشح للرئاسة أو دعم أي اسم، وهو سيترك هذا الموضوع للسياسيين مع التأكيد على تأييده السعي لرئيس توافقي يجري انتخابه في جلسة دستورية يتوفر فيها نصاب الثلثين،

وهو الأمر الذي ترفضه «قوى 14 آذار» على اعتبار أن المرشح التوافقي لن يكون من مرشحيها المحتملين، أما بري فهو يواصل لقاءاته مع المرشحين والفعاليات السياسية والحزبية مع إدراكه سلفا لصعوبة المهمة وخطورة الوضع بحسب مقربين منه، ويؤكد نائب حزب الله حسن فضل الله لـ «البيان» أن رهان المعارضة هو على دور الرئيس بري الذي يسعى لإيجاد مساحة مشتركة مع بقية القوى لتصل الأمور إلى نتيجة إيجابية،

معتبرا أن ما تمخض عن لقاء معراب يصلح لتعيين رئيس لدولة معراب وليس للبنان كله إنهم يمثلون فريقا فقط غير قادر على حسم الأمور أو التأثير في معركة الرئاسة، وقال إن «مواصفات ومعايير الرئيس أكبر من اجتماع معراب أو قوى 14 آذار مجتمعة»، كاشفا عن نية المعارضة اللجوء إلى خيارات ستأخذ البلد إلى مرحلة جديدة وهي مرتبطة بالتطورات المرتقبة،

مؤكدا أن فريق السلطة يعطل الاستحقاق من خلال تعطيل التوافق وبالتالي لن تسمح المعارضة لهذا الفريق بالاستئثار بالقرار وأخذ صلاحيات رئيس الجمهورية إلى حكومة السنيورة، مركزا على نوايا المعارضة الإيجابية ورهانها على تحرك الرئيس بري وإيمانها بدور بكركي ورؤية البطريرك مار نصر الله بطرس صفير العميقة للأمور وللمخاطر المحدقة بالوطن.

تراجع احتمال التصادم المباشر بين الأفرقاء اللبنانيين وتراجع تهديد المعارضة بتصعيد المواقف في الشارع واحتلال المزيد من الساحات ولم يعد واردا الكلام عن عصيان مدني أو ما شابه وانحصر الصراع كله حول انتخاب رئيس جديد.

بيروت ـ ثناء عطوي