على امتداد يوم حار طويل قطفوا حبات الدراق ووضبوها في الصناديق. ولما انتهوا لجأوا إلى بيت حديدي قريب، وأخرجوا ما يحملونه من علب سردين وأرغفة خبز ورؤوس بندورة، وجلسوا يأكلون. هل كانوا يأكلون بصمت، أم أنهم كان يتبادلون الحديث؟ لن يدري أحد. من السماء، أمطر الإسرائيليون العمال السوريين القادمين من بلدة عفرين الكردي، بصواريخهم.
حدث ذلك بين مجزرتين. بعد مجزرة قانا وقبل مجزرة الشياح.. تحولت الأجساد السمراء العفية إلى أشلاء. حيث هم بقوا، كما كانوا، ممددين جنبا إلى جنب: 26 شهيداً وسبعة جرحى.
للمجازر الأخرى عناوين واضحة. وحده موقع مجزرة القاع يحتاج إلى أسئلة واستفسارات لا تنتهي للوصول إليه. ليس في المكان طبعا لوحة تشير إلى المجزرة وتاريخ وقوعها وتكرم شهدائها عبر التعريف عن أسمائهم. هم 26 شهيدا، سورياً.
يسود بلدية القاع وفعالياتها اليوم جدل حول إذا كان يتعين إحياء ذكرى المجزرة أم لا. مع أن عمالا سوريين مياومين آخرين عادوا اليوم للتجمع عند جانبي الطريق الدولية التي تصل بين حمص وبين قرى البقاع الشمالي وبعلبك، بحثا عن عمل يقيهم شر الجوع.
يقطنون، كما أترابهم الشهداء، في مساكن مُحكمة التغليف بأكياس القنب صيفا وبلفائف النايلون شتاء. يتنقلون في إرجاء البقاع الواسع بحسب المواسم الزراعية، وتتضارب معلوماتهم حول المجزرة التي سقط فيها أقرانهم بعدما استقوها بالتواتر. تتشابه بساتين مشاريع منطقة القاع الزراعية كثيرا في قسمها الممتد شمالا حتى نقطة جوسيه الحدودية السورية، تشابه يزيد من صعوبة الوصل إلى حيث قتلت إسرائيل 26 إنساناً العام الماضي، ولا يبدو أن هناك اليوم من هو معني بإحياء ذكراهم.
تبدأ الرحلة من نقطة القاع الحدودية اللبنانية صوب الشمال، نحو الحدود السورية. بعد «المعرض»، كما يسمي أهالي المنطقة محلات عدة كانت مخصصة لعرض الخضار، تنعطف غربا مئات الأمتار عبر طريق ترابية لتصل إلى مزرعة الجبال. هناك، تعبر بستان الدراق المشؤوم، لتصل إلى رقعة أرض صبت بالاسمنت وتتساوى مع الأرض، نبتت فيها دالية عنب صغيرة: هنا وقعت الواقعة.
وهنا وفق عيد مطر، أول الواصلين إلى المكان بعد دقائق عدة من الغارة اختلطت الأشلاء بالتراب وبالاسمنت وبصناديق الفاكهة والدراق في مشهد تصعب «استعادة تفاصيله».
يكتفي مطر بسرد الإجراءات التي اتخذها إلى جانب أهل الهمة والمسعفين الذين توافدوا لاحقا من جيش وصليب احمر ودفاع مدني. جمعت الأشلاء وصنفت على أمل أن تستعاد أطرافها. جمعت الأشلاء كلها في كيس واحد أقفل عليها إلى الأبد.
يروي ربيع الجبالي صاحب البستان، أنه كان عند طرف أرضه وقت حصول المجزرة، وان العمال الأكراد الذين قدموا من قرية عفرين السورية كانوا يتناولون غذاءهم في «الهنغار» بعد يوم طويل من قطاف الدراق وتوضيبه وتحميله في الشاحنة التي غادرت قبل القصف بقليل باتجاه الحدود السورية نحو الخليج.
فجأة دوى صوت انفجار الصاروخ الأول وعلا الغبار، تلاه انفجار صاروخ ثان على بعد أمتار منه، لتتكشف المأساة الحقيقية: أبيد أفراد أسر بأكملها، آباء وأولادهم، أخوة وأخوات، أقارب وأنسباء، نساء ورجال. أحيلوا أشلاء استعجل أصحاب القرار في ترحيلها إلى الداخل السوري.قدم حزب الله مساعدات مادية لأهل الشهداء خلال زيارة وفد تابع للحزب إلى عفرين لتقديم واجب العزاء.
القاع ـ بومدين الساحلي