مقاهي عمان القديمة كانت مقرا للحراك السياسي للآباء والأجداد قبل عشرات السنين في عمّان ومدارس اجتماعية يتعرف من خلالها المرء على مجتمعه وما يدور فيه من أحداث، وملتقى للمثقفين والكتاب، ومنبرا يصدح فيه كبار المطربين. هذه المقاهي هجرها أبناء الجيل الحالي، واستعاضوا عنها بمقاهي (الانترنت) حيث مواقع (الشات) والدردشة الافتراضية.

مقاهي عمان القديمة طاعنة في السن وغير مؤهلة في الوقت الحالي لإجراء أية عمليات تجميلية. وتحاول الوصول إلى إيقاع الحياة المعاصرة دون جدوى. معظم مقاهي العاصمة الأردنية قائمة على درج طويل، وهذا ينطبق أيضاً على مقهى الجامعة العربية الذي يعود تاريخه إلى فترة الخمسينات والذي يعرف رواده بعضهم بعضا وكأنهم في حارة شعبية ضيقة.

وتحولت مقاهي عمان هذه الأيام إلى مقر لهواة لعبة الورق والعاطلين عن العمل وبعض الراغبين في استحضار حالة كانت لآبائهم في الماضي. وبالرغم من شهرتها السياسية في بدايات القرن الماضي إلى منتصفه، إلا ان المقاهي أخذت في الذاكرة الشعبية تأخذ معنى مرادفا لمكان غير مرغوب فيه خاصة لدى الأسر المحافظة،

وتلك التي تخشى على أبنائها من الاختلاط مع رفقاء السوء بل وصل الأمر عند بعض أصحاب العقارات والمحال التجارية المعروضة للإيجار إلى وضع شروط في عقود الإيجار تمنع بموجبها استخدام المكان لافتتاح مقهى.

وتشير المصادر التاريخية إلى الغموض الذي يكتنف المقاهي ونشأتها، وتطورها بحيث ولّد ذلك الكثير من الألغاز الأساطير اغتنت مع مرور الزمن، فأصبحت جزءاً من الثقافة العامة السائدة عن المقاهي ولعل مرد ذلك حسب المصادر التاريخية ارتباط المقاهي بمشروب القهوة.

واختلفت الروايات المتعلقة بأول من اكتشف نبات القهوة، ولكن المؤكد ان موطنها الأصلي هو إما اليمن أو الحبشة، وظلت غير معروفة في أوروبا إلى ان نقلها الرحالة عالم اللاهوت الايطالي نيرون في بداية القرن الثامن عشر، وانتشرت بعد ذلك بشكل سريع، إلى ان أصبحت المشروب الأول لدى كافة شعوب العالم مع أن بعض الشعوب العربية كانت تحرمها لاعتقادها بوجود ما يسكر فيها.

ويبدو أن أول من أنشأ أمكنة لاحتساء القهوة هم المصريون في نهاية القرن الخامس عشر بعدما ظل باعة متجولون ردحا من الزمن يبيعون القهوة في الأسواق، ومع مرور الوقت انتشرت المقاهي في بلدان عربية وإسلامية أخرى فتفننت الشعوب في تشييدها وتزيينها، لاستقطاب اكبر عدد ممكن من الرواد ولكن السمة العامة للمقاهي هي انها عبارة عن باحة واسعة بلا حواجز مليئة بالطاولات والكراسي ليجلس عليها مرتادوها.

ويعترف المتقاعد العسكري أبو عيسى بتراجع الحضور في مقاهي وسط البلد. ويقول إنه لم يعد هناك مقاه كما كنا نعرفها. ويضيف: «زمان كان من السهل عليك الجلوس قرب المشاهير والشعراء والفنانين والمثقفين والاستماع لجدلهم ومناقشاتهم سواء في مقهى السنترال أو مقهى الاوبرج أو مقهى بلاط الرشيد أو مقهى الأردن أو غيرها من المقاهي القديمة بوسط البلد ولكن كل ذلك انتهى اليوم».

من جانبه قال أحد العاملين في مقهى الجامعة العربية، ان المقهى بشكله التقليدي لم يعد مكانا يجذب إليه الرواد، وان هذه الحالة دفعت بعض أصحاب المقاهي إلى بيعها لمستثمرين في مجالات أخرى أو أنهم هم أنفسهم أو أبناؤهم غيروا من نوع نشاطهم التجاري في ذات المكان.

ويضيف: «كنا قديما نعتمد على الشباب اما اليوم فهذه الفئة من الرواد هجرتنا إلى المقاهي الحديثة التي تتوفر فيها أجهزة الكمبيوتر والاطلالة الراقية على عمان الغربية خاصة وان رواد هذه المقاهي من الذكور والإناث.

ويعترف الرجل بشروط كل جيل، ولكنه مع ذلك لن يحول مقهاه إلى «يهيُّفٌ»، ويقول: «حتى لو أردت فعل ذلك فقد فات الأوان الآن بعد ان سرقت عمان الغربية معظم الاستثمارات التجارية المهمة.

ويشير صاحب مقهى السلطان أن انتشار مقاهي الانترنت ومقاهي الشباب المختلطة سلب من مقاهي وسط البلد رواده وزادت الأمور سوءا بعدما أخذت أعداد المصريين تتناقص بعد التشديد عليهم في قضايا أذونات العمل، وهم فئة كان يعتمد المقهى في جزء من مصاريفه عليها.

عمّان ـ لقمان اسكندر