كان يوما همزة وصل بين سلطنة عمان والعالم الخارجي.. مجسماته سجلت أبرز محطات الحضارة والتاريخ التي مرت بها السلطنة في مختلف العصور..أما أفلامه فقد وثقت للعالم حضارة العمانيين منذ عصر ما قبل الإسلام وحتى عصر النهضة.
انه متحف أرض اللبان الذي يعد أحد أبرز وأهم المتاحف التاريخية في سلطنة عمان، والتي اختارت منظمة اليونسكو أرضه باعتبارها موطنا لشجرة اللبان ووضعتها على قائمتها الخاصة بالتراث العالمي والثقافي والطبيعي.
وجاء متحف أرض اللبان بتسميته مجسدا لحضارة اللبان التي اشتهرت بها محافظة ظفار في جنوب السلطنة منذ عدة عصور وقام بتنظيمه مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية ضمن الجهود الحكومية الرامية لتأهيل المواقع الأثرية والتاريخية في السلطنة والمحافظة عليها لتسهم بدورها في تنشيط الحركة السياحية في البلاد.
ويشير مستشار سلطان عمان للشؤون الثقافية عبدالعزيز الرواس إلى أن«افتتاح متحف ارض اللبان في 23 يوليو الماضي جاء ليضيف إلى معالم النهضة العمانية بعدا آخر تتشكل من خلالها إطلالة شاملة على عمان بمختلف مناطقها عبر الأزمنة»،
معتبراً أن «اختيار منظمة اليونسكو لمواقع ارض اللبان بمحافظة ظفار كونها موطن شجرة اللبان وبلاد المنشأ والتصدير ووضعها على قائمة اليونسكو للتراث العالمي الثقافي والطبيعي يشكل قيمة مضافة لكنوز عمان وتراثها الحضاري استنادا إلى حيثيات علمية ومعايير عالمية».
ويؤكد الرواس ان «هذا المتحف يوفر للزائرين والباحثين فرصة للتعرف على عمان عبر تاريخها الطويل والذي لم يكن متاحا بطريقة علمية قبل بزوغ فجر النهضة العمانية بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد الذي أطلق مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة في كل الميادين تفاعلت من خلاله عمان مع محيطها الإقليمي والدولي في إطار التعايش السلمي بين الدول وتبادل المصالح بين الأمم».
وأشار الرواس إلى «التعاون الكبير لمنظمة اليونسكو خصوصا مركز التراث العالمي مع السلطنة منذ تسجيل قلعة بهلا بالمنطقة الداخلية على قائمة التراث العالمي عام 1987 ثم مواقع بات والخطم ووادي العين في منطقة الظاهرة عام 1988 وتسجيل مواقع ارض اللبان في محافظة ظفار متمثلة في البليد وخور روري سمهرم ومنطقة شصر وبار ووادي دوكة
حيث تنمو أشجار اللبان وذلك في عام 2000 وأخيرا وليس آخر تم تسجيل الافلاج العمانية في العام 2006 وهى فلج دارس وفلج الخطمين بولاية نزوى وفلج الملكي بولاية ازكي وفلج الجيلة بولاية صور وفلج الميسر بولاية الرستاق وهو ما يمثل اعترافا دوليا أن نظام الافلاج هو خاصية عمانية انتشرت منها إلى أماكن أخرى في المنطقة».
وتكمن أهمية متحف أرض اللبان أيضاً كما قال عنه وزير التراث والثقافة العماني هيثم بن طارق آل سعيد في أنه «يعتبر إضافة لبنة ثقافية جديدة على أرض عمان، كما أنه يحكي جزءا من تاريخ عمان الممتد إلى حوالي سبعة آلاف عام، ويجسد أيضاً جزءا من تاريخ محافظة ظفار التي اشتهرت بإنتاج وتصدير اللبان».
ويقع متحف أرض اللبان في متنزه مدينة البليد الأثرية التي يعود تاريخها إلى فترات زمنية ما قبل الإسلام وكانت تمثل مركزا سكنيا منذ نحو 2000 عام قبل الميلاد برزت خلال العصر الحديدي المتأخر كمدينة مركزية نشطة كما أنها ازدهرت في العصور الإسلامية.
ويضم المتحف قاعتين رئيسيتين هما: قاعة التاريخ والقاعة البحرية حيث تشمل قاعة التاريخ على ستة أقسام: الأول يجسد جغرافية عمان وتضاريسها ويشير الثاني إلى عمان في الأزمنة القديمة شارحا مراكز الاستيطان التي تنوعت في أرجاء مختلفة من عمان منذ البدايات الأولي للحضارة الإنسانية
فيما يشير القسم الثالث والذي يحمل عنوان ارض اللبان إلى أن ظفار التي هي أرض اللبان ظلت طوال العصور الماضية مصدرا رئيسا لإنتاج وتصدير اللبان وأن الأرض حملت مسميات عديدة مثل أرض عاد وبلاد بونت وبلاد الشحر.
ويأتي القسم الرابع حاملا عنوان إسلام أهل عمان الذين دخلوا الإسلام طواعية بعد أن وصلهم مبعوث الرسول صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص ولذلك خلد الرسول ذكراهم بدعائه«رحم الله أهل الغبيراء ـ أهل عمان ـ آمنوا بي ولم يروني». ويشير القسم السادس إلى نهضة عمان المعاصرة وانجازاتها الحضارية.
أما القاعة البحرية فتنقسم إلى 7 أقسام يضم الأول منها التراث البحري الذي يوضح معرفة العمانيين بالملاحة منذ العصور القديمة ونشاطاتهم في ظل الازدهار التجاري لحضارتي بلاد الرافدين ووادي الاندوس وصولا إلى إقامة شبكة علاقات منتظمة لقرون طويلة مع الهند والصين والساحل الشرقي لإفريقيا وبلاد حوض البحر المتوسط ثم المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.
وفي القسم الثاني والخاص بالبحر تشير المعروضات إلى ارتباط سكان عمان بالبحر الذي يعد احد مصادر العيش وسبيلهم للتواصل مع الآخرين ويجسد القسم الثالث بناء القوارب والسفن الشراعية ومهارة العمانيين في ذلك منذ آلاف السنين
ويأتي القسم الرابع بعنوان الإبحار ليوضح أهمية الملاحة الناجحة والطرق المستخدمة فيها بمعرفة مسارات النجوم وحركة الشمس والقمر لتحديد الموقع والإلمام بقراءة تجمعات السحب ولون الماء والأمواج والاستعانة بالطيور في تحديد اتجاه اليابسة
حيث يعرض القسم أجهزة قديمة وحديثة تساعد في الإبحار، فيما يبرز القسم الخامس المخصص لتاريخ التجارة ليعرف بتصدير اللبان الذي كان ينقل عبر موانئ سمهرم والبليد وريسوت والتعريف بميناء صحار الذي كان مصدر تصدير للنحاس للحضارات القديمة والإشارة إلى تبادل تلك البضائع بالتوابل والعاج والحرير
والخشب والذهب حيث تشير مخطوطات ووثائق صينية إلى أن أول البحارة العرب الواصلين إلى الصين كانوا من عمان في العام 750 كما أن احمد بن نعمان الكعبي كان أول مبعوث عربي يصل إلى الولايات المتحدة في العام 1840 وان السلطان سعيد بن تيمور كان أول حاكم عربي يزور الولايات المتحدة في العام 1938.
أما القسم السادس وعنوانه واقع البحر الافتراضي فيمثل نموذجا للسفينة البغلة وهي نوع من السفن العمانية الكبيرة التي كانت تستخدم للرحلات البعيدة من عمان إلى زنجبار وممباسا ويشير القسم السابع وعنوانه النهضة إلى مرحلة اختراع المولدات البخارية واستخدامها في السفن.
مسقط ـ علي البادي