تعد مكتبة الظاهرية أول مكتبة عمومية في تاريخ السلطنة العثمانية التي امتد ملكها يوماً شرقا وغربا، وتأسست أواخر القرن التاسع عشر لتسبق بذلك نظيراتها حتى في اسطنبول ذاتها بعدة سنوات، وجمعت في جنباتها نحو 2500 كتاب في مختلف فروع العلم والمعرفة، وكان من حسناتها أن أوقفت نزف سرقة المخطوطات العربية والإسلامية وإعادة إحياء حركة الثقافة في منطقة السام بعد قرون من الإهمال.
وشيدت هذه المكتبة بجهود الوالي التركي مدحت باشا الذي أمر بجمع المخطوطات النفيسة التي كانت في خزائن مدارس وعائلات دمشق العريقة. وكانت لحوادث نهب المخطوطات المتكررة في دمشق وما أثارته من ضجة بين علماء الشام ووجهائها، السبب الذي دفع الوالي التركي إلى تشكيل لجنة برئاسة مفتي دمشق محمود أفندي حمزة،
وعضوية كل من الشيخ علاء الدين عابدين والشيخ سليم العطار والشيخ محمد المنيني والشيخ أحمد مسلم الكزبري، وسماها «جمعية المكتبة العمومية». وقد جمعت هذه اللجنة في «المدرسة الظاهرية» التي أصبحت مكتبة عمومية تحوي 2453 كتاباً منوعة عدا الدشت والكراريس والأوراق المتفرقة.
وتكونت المكتبة من 10 خزائن هي: ما تبقى من خزانة المدرسة العُمرية وهي أهم هذه الخزائن وأنفسها، وخزانة مدرسة عبد الله باشا العظم، وخزانة سليمان باشا العظم وخزانة الملا عثمان الكردي، وخزانة مدرسة الخياطين التي وقفها أسعد باشا العظم، وخزانة المرادية، وخزانة المدرسة السميسطائية، وخزانة الياغوشية، وخزانة الأوقاف، وخزانة بيت الخطابة في الجامع الأموي ومن كتب أخرى موقوفة.
وعندما سمع ناظر المدرسة العُمرية بقرار مدحت باشا انتقى أفضل كتبها ونقلها إلى داره وأبعد جميع الحمّالين من جهة الصالحية، فعندما وصلت اللجنة المكلفة من الوالي لم تجد رجلاً واحداً يحمل الكتب حتى استعانوا بدواب القمامة ونقلوا ستمئة مجلد خطي ومجموعة كبيرة من الدشت.
وتعد المكتبة العمرية من أهم مكتبات دمشق وغيرها من مكتبات البلاد الإسلامية، فقد اجتمع فيها أهم الكتب الإسلامية، وكان كثير مما يدرس أو يتعلم أو يؤلف كتابا فيها يوقفه في هذه المدرسة حتى اجتمعت فيها ألوف الكتب التي قلما يخلو كتاب منها من إجازات وسماعات بخطوط العلماء مما يجعل لها قيمة علمية وأثرية.
على أن المدرسة العمرية ومكتبتها تعرضت مع الصالحية ودمشق إلى النهب والسلب، وكانت أولى الحوادث على يد قازان المغولي (آخر القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) الذي نهب مدرسة الصالحية، أما الثانية فكانت على يد تيمور لنك بعد قرن من ذلك (مطالع القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) حيث دمرت دمشق والصالحية معها أشنع تدمير.
ورغم أن الصالحية استطاعت بعد ضربة قازان أن تعود إلى سيرتها الأولى في العلم والعمران، إلاّ أنها لم تستطع فعل ذلك بعد ضربة تيمورلنك. فبدأ أمر المدرسة العمرية بالانحطاط مع نهاية عهد المماليك عندما انتقلت نظارتها إلى بني زريق الذين أفسدوا فيها فساداً عريضاً، فأخذها منهم الشيخ عبد الرحمن بن داود،
كما يذكر ابن طولون وأصلح أمرها ولما مات استعادها منه ناصر الدين بن زريق الذي كان ناقص العقل فاسد النية والبنية فباع كثيراً من أوقافها وكانت نيته إغلاقها حتى أنه قال «أنا عندي خمسمئة لص، يعني الطلبة والمدرسين» في إشارة منه على خرابها ما أدى إلى استخفاف الحكام بأمرها وتدخلهم في شؤونها.
أما مكتبتها التي تحدث عنها الرحالة والمؤرخون، فقد بدأت الكتب تتسرب منها بمختلف الوسائل والطرق. وهو ما لخصه الشيخ محمد أحمد دهمان في كتابه «في رحاب دمشق»، حيث قال إن «جماعة من نجد جاءوا إلى دمشق سنة 1250 هجرية
وقدموا لناظر العمرية مالاً على سبيل الرشوة، فساعدهم على سرقة أربعة أحمال من الجمال من كتب المدرسة نقلوها ليلاً إلى دار أحد الحنابلة في دمشق، فصادر نصفها لنفسه وذهب الآخرون بالباقي، ولا يزال بعضها إلى اليوم وعليه وقف العمرية».
ومما يروى أن الوراق المصري الشهير محمد أمين الخانجي كان أحد الذين تولوا شراء مخطوطات المدرسة العمرية من نظّارها وبعض لصوص المخطوطات في بداية هذا القرن، وقد قام الخانجي ببيعها للعلماء ولدور الكتب في الشرق والغرب،
ويستطيع الباحث أن يعثر اليوم على أعداد كبيرة من هذه المخطوطات في كل من دار الكتب المصرية، ومكتبة الدولة في برلين، ومكتبة جامعة توبينغن (ألمانيا) ومكتبة شيستر بيتي في دبلن (ايرلندا).
دمشق ـ تيسير أحمد