قبل أيام استقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس مجموعة كبيرة من الشخصيات «الفتحاوية» جاءت معاتبة قائلة إن رئيس الحكومة سلام فياض صاحب الكتلة البرلمانية الصغيرة في المجلس التشريعي (عضوان)، ومن خلفه أمين سر اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير ياسر عبدربه ليس فقط يحكمان البلد وإنما أيضاً يعدان لإقامة حزب سياسي على أنقاض حركة فتح».

العتاب ذهب إلى الداخل «الفتحاوي» أيضاً: «ماذا فعلتم للحركة بعد هزيمتها الثانية في غزة (الهزيمة الأولى كانت في الانتخابات التشريعية). إجراءاتكم التي أعقبت انقلاب حماس طالت الأسماك الصغيرة، فمتى تصلون إلى الحيتان الكبيرة؟».

العتاب كان مرا، لكن الهم الأكبر كان مصير «فتح» على ضوء تشكيل حكومة من «التكنوقراط» يُخشى أن تطرح نفسها بديلا للحركة. حكومة قد تُشكل نواة لجسم سياسي جديد يُرجح أن يخوض الانتخابات حاملا برنامجا «فتحاوياً» لكن بشخصيات غير «فتحاوية».

وللقلق ما يبرره، فأي نجاح لحكومة فياض سيحسب له ولكتلته «الطريق الثالث» التي تشكل النواة الصلبة للحكومة وأي فشل له سيحسب على الرئيس الذي اختاره وفوَّضه إدارة السلطة. القلق والغضب في «فتح» لم يقتصر على سلام فياض بل يطال أيضاً وبشكل اكبر ياسر عبد ربه الذي يوصف انه «العقل المدبر» وراء الحكومة وخياراتها ووجهتها السياسية.

عباس كان لديه ما يبرره في اختيار سلام فياض وفي تقريب ياسر عبد ربه فالرأي العام سيعتبر حكومة مؤلفة من شخصيات «فتحاوية» انقلابا مضادا للانقلاب الذي قامت به «حماس» في غزة. و«فتح» ستتصارع على المناصب الوزارية في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى الوحدة.

في معسكر «الطريق الثالث» يقولون إن المناخ السياسي اليوم مهيأ لولادة حزب أو تجمع سياسي جديد. تحرك هذه الكتلة البرلمانية له ما يبرره، فهو يتزامن مع حالة حراك ملحوظة في المشهد السياسي، رجال أعمال واقتصاديون وبعض شخصيات المجتمع المدني يعقدون منذ تفجر الأزمة الوطنية اجتماعات في رام الله والقدس تتركز حول مساهمتهم في الخروج من الأزمة. و

بعض أعضاء هذه المجموعة التي تضم عددا من أبرز رجال الاقتصاد مثل منيب المصري ومازن سنقرط وغيرهم اقترحوا إنشاء حزب سياسي. البعض الآخر اقترح إنشاء تجمع وطني.. فيما اقترح الكاتب هاني المصري الذي شارك في هذه اللقاءات منذ بدايتها إنشاء منتدى، وهو ما يحظى بالقبول الأوسع في أوساط المشاركين في هذه المرحلة.

وأياً كان شكل مولود هذه اللقاءات فإن من المؤكد ان تؤدي فورة الانتخابات المبكرة، في حال حصولها، إلى تسريع عملية بلورة جسم سياسي جديد. والمؤكد أيضاً أن هذا التعبير السياسي، سواء كان حزبا أو تجمعا، سيطرح نفسه بديلا لحركة «فتح» وليس بديلا لحركة «حماس».

وربما يستقطب هذا الجسم قسطا من ناخبي «حماس» الذين أحبطهم فشل الحركة في إدارة السلطة، ولجوئها إلى العنف الدموي في حسم الصراع على السلطة في قطاع غزة، لكن خطابه سيكون موجها بالدرجة الأولى إلى المعسكر الوطني الذي تمثله «فتح».

ما يزيد من قلق «فتح» أن الحركة لم تنجح حتى اللحظة في إعادة إصلاح أوضاعها الداخلية لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة، ولا تبدو أيضاً مهيأة لتغييرات جدية تجيب عن الأسئلة والتحديات الكبرى التي تواجهها.

رام الله ـ محمد إبراهيم