هذه التقرحات الصغيرة في كفي أبوحيدر ليست من آثار الحرب. هي حديثة وحين تندمل سيظهر غيرها. هكذا هي أكف العمال. لو صادفه أي منا للمرة الأولى، في ساحة عديسة، على دراجته النارية الصغيرة، يتدلى من أحد مقبضيها كيس نايلون فيه فاكهة، لاستفسر منه مثلاً عن بيت صديق يقصده. ما كان سيخطر في بال أحد أن يسأله: أين كنت تقف؟ ومن أين أتوا؟ وكيف فتحت النار عليهم؟ وأين كان حسين؟ وكيف لوّحت له؟
لم يكن سيرد في بال أحد أن هذا الرجل الأربعيني، بلهجته القروية، كان واحداً من رجال تلك الحرب، ولم يكن هو سيتبرع بإخبار أي كان بأنه كان هنا قبل عام، وأنه قاوم. لكننا تعرفنا إليه قبل ساعتين من اللقاء، في الساحة. جلس وحكى عن ليل مواجهات طويل في عديسة. روى ببساطة غريبة ما يفترض أنها معركة جلست فيها الروح على الكف. حين سيغادر على طول الطريق التي نزل عليها الإسرائيليون، سيظل سؤال واحد مصر على تكرار نفسه: هل حقاً يظن أن ما فعله هو ورفاقه كان على هذا القدر من البساطة؟. «كانوا نازلين والطريق ملأى بهم إلى آخرها». ثم ماذا؟ ثم أطلق النار عليهم. معقول هذا الرجل؟ لم يفكر للحظة أننا لا نقدر عليهم، وأنهم أقوى منا. لم يعرف أنه إذ يحمي قريته فهو يعرّض السلم الأهلي للخطر.
غالباً، لم يفكر أبوحيدر في كل هذا وهو يحارب وجهاً لوجه. قضيته أكثر وضوحاً، واقل تلوثاً. كان في ساحة تلك المعركة. يحمي رفاقه ويحمونه. يواجه مسألة لا نتعرض لمثلها كل يوم أو حتى كل حياة: مسألة حياة أو موت.
«عاديون جداً جداً»، يقول أبوحسين، رفيق أبي حيدر من ميس الجبل، في وصف المقاومين.
حقاً؟ قاماتهم ليست أطول من قاماتنا وأعينهم ليست أكثر اتساعاً من أعيننا. يعملون ويتعلمون ويتزوجون ويكبرون ويموتون ويخجلون. هل هذا يجعلهم عاديين مثلنا؟
لا. ليسوا عاديين مثلنا هؤلاء الذين كانت أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم ينتظرونهم بينما هم ينتظرون عدوهم في أي طريق جرّب أن يسلكها. ليسوا عاديين مثلنا هؤلاء الذين حين تنتهي الحرب يضيعون في شوارعنا. نراهم في الجامعة وفي دكان السمانة وفي محل تصليح السيارات وفي حقول التبغ. لا نعرفهم، ويفضلون ألا نعرفهم. مجهولون، رغم حكاياتهم التي لا تصدق. ليسوا عاديين مثلنا إذ يحققون ما حققوه ولا يعنيهم أن يظلوا مجهولين إلى هذه الدرجة.
كيف تصفهم؟ كيف تصف مقاوماً؟
مسؤول القطاع الأوسط في المقاومة، كيف تصفه مثلاً؟ هذا رجل بلا بدلة ولا أوسمة على صدره. ليس في لغته وملامحه ما يشي بجنرال عسكري يكرهه الشعراء. خجول بالكاد تسمع صوته مع أن صدى صواريخ رجاله ما زال حتى اللحظة يتردد في وادي الحجير الذي كان ضمن نطاق اختصاصه.
كيف تصف مقاوماً؟ إنه رجل يريد أن يحتفظ باسمه ووجهه سرّاً. يضحك حين تقول له بكل ما اصطنعت من جدية أنك بداية تريد التقاط مجموعة من الصور له لنشرها. هو حين يحكي الآن، فلأنه يخدم قضيته، لا صورته الفردية.
رجل لا ينسب ولو إنجازاً واحداً إلى نفسه، مع أنه قائد قطاع. يضع عدوه نصب عينيه. يقارن بينه وبين عدوه. يقول إن الجندي الإسرائيلي الذي يصرف كميات هائلة من الذخيرة، والخاضع شهرياً لدورات تأهيل وتدريب خيّب ظن المقاومين الذين كانوا يترقبون مقاتلاً يواجههم.
لا ينتبه البتة إلى عاصفة الغبار المثارة حول انتصاره واسم انتصاره. كادَ عدوه وحمى بلده. وكفاه ما فعل.
في ما يلي، بعض ما أنجزه في ثلاث قرى من القطاع الأوسط في الجنوب. هي نماذج لما كان في تلك الأيام الطويلة.
اسمه المستعار أبوحيدر هو رجل مجهول، تمتلكك رغبة هائلة في أن تصافحه، تشد كثيرا على كفه، وتقول له: شكراً.
إنها التاسعة والربع ليلاً. الجنود الإسرائيليون في ساحة عديسة. أتوا مشياً من مستوطنة مسكاف عام. عشرات منهم ينقسمون في مجموعات. يُسمع صوت طرق على الأبواب وصراخ بالعربية: «افتح. جيش دفاع».
بتنا في مرحلة متقدمة من الحرب، في الأسبوع الأخير منها، وهؤلاء الذين مشوا من المستوطنة حتى قلب عديسة لم يتعرضوا بعد لطلقة نيران واحدة. سبقهم إلى القرية قصف تمهيدي شديد. كانوا مرتاحين إلى حد ما. من غير المنطقي أصلاً أن يظل في عديسة مقاتلون. البلدة تقع في الداخل الفلسطيني تقريباً، ومكشوفة على الإسرائيليين تماماً.
يزداد صرخ جنود الاحتلال وأبوحيدر يهمس في اللاسلكي أن الإسرائيليين باتوا «على بعد 50 متراً منّا»، أي منه ورفاقه الكامنين لعدوهم.
«افتح النار» قال مسؤول المقاومة في عديسة لأبي حيدر. المقاومة التي رصدت المشاة وهم يخرجون من مستوطنتهم فضلت استدراجهم إلى كمائنها. فتح الرجال النار من كمينهم. انهمرت القذائف والقنابل والرصاص من أعيرة مختلفة على المجموعة الإسرائيلية وقوامها 12 عنصراً. لم يقع اشتباك لأن الجنود الذين كانوا قبل دقائق يستقوون على الأبواب سقطوا أرضاً. وفي الظلام الدامس، لم يعد يُسمع إلا أصوات عويلهم وشتائمهم.
تحقق حلم حسين. فابن التاسعة عشرة كان ينتظر هذه اللحظة منذ اليوم الأول للحرب. والأكيد أن مخيلته رسمت مشاهد تحاكيها لسنوات بعيدة. وإذا كان من مرة أولى في حياة ما، فهذه هي المرة الأولى التي يرمي فيها حسين قنبلة على جنود إسرائيليين، ويطلق ناراً عليهم. وفي هذه المرة، لم يرتبك حسين ولم يخف.
بعد الجولة الأولى، انسحبت المجموعة إلى كمينٍ ثانٍ تحت وابل من القصف الدخاني جعل ساحة عديسة غارقة في ضباب سميك. سمع شبان المقاومة أصوات المروحيات. كانت، على الأرجح، تجلي الإصابات. لعب المقاومون مع الإسرائيليين لعبة بسيطة، مميتة. التفوا على قوة أخرى من الجنود وكمنوا على طرقات تقدمهم. توزعت المجموعة في أربع زوايا. الإسرائيليون ظهروا من خلف الشاب حسين. أخذ الشاب قراره العسكري الصائب.. فهذه ساحة حرب.
القرارات تتخذ في ثوانٍ ولا تناقش كثيراً. ما لا تراه على هذا الورق هو العتمة والرصاص والدخان وما لا تسمعه هو قرع القلوب. ما لا تراه هو الجنود الإسرائيليون المدججون بالأسلحة. لكن ما لا يراه هؤلاء أنفسهم هو مصادر النيران عليهم. لا يعرفون عدد الذين أمامهم، ولا أماكن خروجهم، ولا أعمارهم، ولا أحلامهم.
المجموعة كمنت في منطقة ثالثة. هاج الإسرائيليون مجدداً. مطر من قذائف راحت تنفجر خلف المقاومين وأمامهم والى يمينهم ويسارهم. ساعة أخرى، ثم توقف القصف، وما هي إلا دقائق حتى بدأ يصل صوت صراخ الإسرائيليين الهستيري وأزيز رشاشاتهم. «جيش دفاع.. جيش دفاع». لماذا يثيرون كل هذه الجلبة وهم في معركة؟ لا أحد يدري. هي أعصابهم، لم تعد تسعفهم. أطلقوا نيرانهم كيفما اتفق.
فُتحت الجولة الثالثة. وكما في المرات السابقة، اشتبك المقاومون مع الإسرائيليين ثم انسحبوا إلى كمين رابع، لكنهم لم يلتقوا بعدها بهم. الهجوم على عديسة انتهى. خرج عشرات الجنود من قلب القرية التي دافع عنها في تلك الليلة بضعة مقاتلين فقط، سقط منهم شهيد واحد.
لملم الإسرائيليون قتلاهم وجرحاهم وغادروا. ظنوا أن هذه السبحة من الكمائن لا نهاية لحبّاتها.
انتقام يومي
بعد تلك الجولة، ظلت عديسة تتعرض لقصف يومي حتى اليوم الأخير من الحرب، لكن الإسرائيليين لم يجربوا دخولها ثانية.
ابوحيدر الآن يفكر: ما الذي أوقف قائد الهجوم في ذلك اليوم؟ هل كذب على جماعته وقال لهم إنه طّهر عديسة من المقاومين وانتهى الأمر؟.
أبوحيدر لا ينسب لما أنجزه هو ومجموعته قرار العدو العدول عن احتلال القرية، هو الذي روى سير المواجهات بلهجة جنوبية ناعسة جعلت المعركة تبدو اقرب ببساطتها إلى رحلة صيد عصافير.
لم يكن بوارد المقاومة أن رجالها سيبقون في عديسة حتى اليوم الأخير، حتى معركة الدفاع عنها لم تكن منطقية عسكرياً.
كان الإسرائيليون قد سيطروا مسبقاً على النقاط العليا من القرية في انزالات وتسللات. رجال المقاومة كانوا يمرون أسفل هذه البيوت ولم يتعرضوا يوماً للنيران. الجنود سدوا كل النوافذ التي تطل على القرية. لم يتركوا ولو كوّة ليرصدوا منها. «هؤلاء الجبناء. حين دخلنا البيوت حيث كانوا، اعترانا القرف الشديد. المواشي أكثر نظافة منهم».
ميس الجبل: هذا الدم مسؤوليتي
في مكان آخر من القطاع الأوسط، بعد أسبوعين على بداية الحرب، كان معظم سكان ميس الجبل قد غادر البلدة التي تمتد حدودها مع فلسطين نحو سبعة كيلومترات. ابوحسين مسؤول المقاومة في البلدة لديه خطة واضحة وبسيطة: «أن نصمد ولا نسمح باحتلال ضيعتنا، وإذا دخلوا لا نسمح لهم بالاستقرار».
وزع الرجل المجموعات منذ اليوم الأول للحرب. أحاطت كمائن المقاومين بالأحياء. وكان لدى ابوحسين فائض في العديد فطلب من بعض الرجال أن يغادروا ففعلوا على مضض. آخرون من أبناء البلدة رفضوا الذهاب.
ميس الجبل مكشوفة على كاميرات المراقبة الإسرائيلية في موقع العباد. بدءاً من اليوم الخامس عشر على الحرب، راح القصف يشتد حتى بلغ حد الهستيريا. لم يبق بيت إلا وضرب. زرعت الأرض بالقنابل الانشطارية والعنقودية. غطت سحابة الدخان البلدة الكبيرة. ليس من مقاوم إلا ونزل بالقرب منه صاروخ أو أغار الطيران على موقع قريب منه. لكن الرجال تحصنوا كما يجب.
التف الإسرائيليون على ميس الجبل من جهة قرية محيبيب. حاولوا تنفيذ إنزال على تلة رأس الضهر. واجههم المقاومون واستمر الاشتباك لساعة انسحبوا بعدها إلى الوادي. سكت الإسرائيليون بعدها.
في اليومين الثاني والعشرين والثالث والعشرين من الحرب، أنزل الإسرائيليون على تلال ميس العالية التي أحرقوها سلفاً.. استقروا في بعض البيوت. الشباب المتحمسون سألوا أبو حسين أن يهاجموا هذه البيوت فرفض. هو يعلم أن المجموعات فيها تؤمن الحماية بعضها لبعض. فضلّ ان تقتصر معركته مع الإسرائيليين على السيطرة بالنيران. هكذا، كانت مجموعات المقاومة ترمي المواقع الإسرائيلية عن بعد 150 متراً.
وكانت المجموعات القريبة من هذه النقاط هي التي ترمي فحسب، بينما ظل الباقون كل في موقعه. كان المقاومون يخرجون إلى الإسرائيليين ويرمون إليهم ويعودون إلى كمائنهم من دون إصابات، مما جعل البقية تطالب بالمشاركة. لكن أبو حسين كان حاسماً: كل واحد ينتظر دوره.
كما في القرى الأخرى، قرر الإسرائيليون أن يجربوا حظهم في ميس الجبل، لعل وعسى. قصفوا القرية حتى تعبوا. وليلاً تحركت دبابتا ميركافا من التلة نازلة إلى الحي الغربي في ميس الجبل يرافقهما عشرة جنود مشاة.
يقول ابو حسين: «طلعنا بقاذفات الصواريخ. حين وصلت الدبابتان إلى بداية الحي الغربي، خرجت المجموعة من كمينها بالصواريخ». وتكرر المشهد، دبابتان تتحولان إلى كومتي حديد مشتعلتين وجنود يسقطون أرضاً.
فشل الهجوم، كالعادة أيضا، وبدأ القصف الشديد.
بعدها، قرروا الإسرائيليون سحب الدبابتين والقتلى والجرحى. في الوقت الباقي من تلك الليلة كان المقاومون يرصدون عملية الانسحاب المرتبكة. تُربط دبابة بالسلك وتسحب أمتاراً ثم ينقطع السلك فتهوي وتصدم جداراً. يجرون الثانية فتحيد وتعلق في زاوية أخرى. أمضوا الليل يعملون.
ظلت إسرائيل تقصف ميس الجبل حتى اليوم الأخير من الحرب، لكنها لم تجرب حظها بالنزول إليها ثانية.
انتهت الحرب وعاد المقاومون إلى حياتهم: «طلاب وعمال وفلاحون. أناس عاديون جداً جداً وتواضعهم لا يوصف، مع أنه، إذا كان هناك من دولة تكرم شعوبها فلن تجد مثل هؤلاء الشبان الذين مهما فعلت لهم، لن توفيهم حقهم»®. يقول أبوحسين.
تنشر «البيان» هذه الصفحة بترتيب خاص مع «السفير» اللبنانية
العديسة ـ جهاد بزي