المشهد الصحافي في المملكة المغربية يغري بالمتابعة، فبين الصحف العربية والفرنسية برزت صحف للبربر، وهناك وبحسب المعلومات المتوفرة أكثر من 25 صحيفة يومية تصدر باللغتين العربية والفرنسية، في مجتمع توفر شريحة واسعة من أفراده ثمن الصحيفة البالغ درهمين مغربيين لتذكرة الأوتوبيس.
يلاحظ خلال البحث عن أحوال الصحافة وقرائها والمشاكل التي تعانيها أن المغاربة لم يعودوا يثقون بالصحافة الحزبية وعندما يكون الحزب متحالفا مع الحكومة وشريكا في السلطة فالصحيفة التي تصدر عن هذا الحزب تشهد تراجعاً واضحاً من حيث التوزيع كما هو الشأن مثلاً مع جريدة «الاتحاد الاشتراكي» وفي حالة كان الحزب في المعارضة فالصحيفة تشهد انتعاشا واضحا. واستفادت الصحف المستقلة من تراجع الصحف الحزبية وكسبت جمهورا عريضا من القراء بإثارتها قضايا مثيرة للجدل وتناولها لموضوعات تمس حياته بشكل مباشر في ظل أجواء نسبية من الحريات في عهد الملك الشاب محمد السادس حتى صارت هذه الصحف مكملة لحلقة العمل السياسي المعارض وصارت مجبرة على تغطية العجز الذي سقطت فيه المعارضة وهي تتربع الآن على عرش المعارضة كما كتب الناقد عبدالمجيد أمباي بصحيفة «المساء».
المنافسة الحامية يمكن رصدها من خلال ثلاث صحف مستقلة. تتسابق على احتلال المركز الأول وهو سباق يظهر من خلال الإعلانات الكبيرة لجريدة «الصباح» والذي يصور أحد القراء ممسكا الصحيفة بيده مشدوها تحت عنوان «مضمون واضح وقوي»أو من خلال أرقام الطبع والتوزيع التي تذيل الصحف الثلاث وممهورة بعلامة «.J.ODz وهي إحدى مؤسسات التحقق من الانتشار والصحف هي «الصباح» و«المساء» و«الأحداث المغربية».
فـ «المساء» تعتبر نفسها أنها الصحيفة اليومية الأكثر مبيعاً في المغرب وهي تضع أرقام مبيعاتها رهن إشارة القراء وبكل شفافية مع مطلع صباح كل يوم والأرقام تشير إلى أن الطباعة وصلت إلى 120ألف نسخة باليوم بينما التوزيع يتراوح ما بين 90 و95 ألفاً، في حين تعترف «الصباح» بأن «أرقام السحب» هي بحدود 93 ألف نسخة.
والواقع أن المراقب يستطيع أن يكون صورة قد تكون الأقرب للحقيقة بقراءة «الصباح» و«المساء» وتنقلها بين أيدي القراء وفي كل الأماكن التي تزورها وهذا انطباع عام وليس حكما لأن مستويات التوزيع والانتشار متنوعة وتختلف من صحيفة إلى أخرى.
وصحيفة «المساء» التي تدخل السباق بقوة صدرت العام 2006 يعود الرواج فيها إلى الدور الذي يلعبه مديرها رشيد نيني، فالصحيفة غالبا ما تميل إلى الإثارة والجرأة بالطرح بعدما وجدت أن الحدث الحزبي لم يعد يلقى تجاوبا.
أما صحيفة «الصباح» فهي تركز على الرياضة وقوتها تكمن في هذا الجانب ولديها شبكة مراسلين تتوزع على مدن وأقاليم المغرب وتقدم وجبة دسمة ترضي معظم الفئات والمناطق وهي تتبع لمجموعة «إيكوميديا» ويصدر عنها صحيفة «الإيكونوميست» الاقتصادية المتخصصة باللغة الفرنسية.
بينما «الأحداث المغربية» وهي من الصحف اليومية المستقلة بعدما استقلت مجموعة عن حزب «الاتحاد الاشتراكي» فإنها تفرد مساحات واسعة للشأن المحلي وأخبار المحاكم والجرائم وكذلك الاهتمام بمشاكل الشباب وتأخذ موقفا واضحا بمحاربة الحركات الأصولية والأعمال الإرهابية التي تقف وراءها جماعات إسلامية متشددة.
ويوجد صحيفتان فرنسيتان تنزلان الأسواق مع الصحف اليومية المغربية وهما «لوموند» و«لوفيغارو» ولديها نسبة قراء عالية حيث اللغة الفرنسية من أنشط وأوسع اللغات التي يتكلم بها الشعب المغربي. وتبقى الإشارة إلى صحيفة «Le Matin» التي اشتراها الناشر والصحافي السعودي عثمان العمير والعائدة لمجموعة «Le Maroc Soiْ» بعدما كانت لرئيس البنك التجاري المغربي عثمان بن جلون وهي صحيفة تعتمد على الإعلان الحكومي وتنتشر بمعظم المؤسسات الرسمية.
و«أكراو أمازيغ» هو اسم صحيفة الأمازيغ باللغة العربية والفرنسية وفيها أخبار الأمازيع بالمغرب وسائر بلدان المغرب العربي وأفريقيا وعرض لمشاكلهم ومشاركتهم نشاطاتهم الخاصة التي برزت أكثر بعد إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية التي تشيع هذه الثقافة وتبتعد عن استعمال كلمة بربر.
وفي مجال حرية الصحافة فقد شهد عامي 2006 و2007 عدة تطورات فبعد العفو الملكي الصادر يوم 7 يناير 2007 على الصحافيين علي المرابط ومحمد الهرد اللذين اعتقلا على خلفية قانون الإرهاب وإطلاق سراحها كانت هناك مبادرات تعمل للدفاع عن حرية الصحافة وتطالب بمراجعة القانون الذي ينظم أوضاعها وإلغاء عقوبات الحبس.
وعرض على البرلمان المغربي مشروع قانون جديد لحرية الصحافة ستجرى مناقشته في الدورة الأخيرة من عمر مجلس النواب الذي سينتهي في شهر سبتمبر المقبل. ويعتبر المشروع أكثر تقدما من الصيغة المعمول بها لكونه قلص من العقوبات السالبة للحرية في حالة السب والقذف واكتفى بالاختيار ما بين الغرامة المالية وعقوبة الحبس. واستبدلت عبارة المس بـ «المقدسات» بصيغة أكثر دقة وهي الإساءة إلى الملك مثلا. كما نص القانون الجديد على تشكيل هيئة أخلاقيات المهنة المشكلة من النقابة الوطنية للصحافة وهيئات المجتمع المدني للنظر في التجاوزات الأخلاقية التي قد يرتكبها الصحافي أو الصحيفة.
والمعلوم أن النقابة الوطنية للصحافة هي الإطار التنظيمي الوحيد الذي يشرف على الصحافيين، كما ينظم أصحاب الصحف في إطار فيدرالية الناشرين. وكانت شهدت السنة الماضية العديد من المحاكمات منها محاكمة مجلة «نيشان» وهي جريدة أسبوعية لنشرها ملف تحت عنوان «نكت المغاربة» يتعلق بموضوع الدين والجنس والسياسة.
ويعتبر سوق القراء الأضعف على صعيد المغرب العربي مقارنة بالجزائر وتونس ويرجع البعض عزوف القراء عن الجرائد لتشابه العناوين وتراجع الأداء السياسي لبعض الأحزاب التي كانت تستحوذ على المشهد الإعلامي من موقع المعارضة وهيمنت على سوق النشر في غياب جرائد مستقلة .
حيث لم تبرز هذه الأخيرة إلا في بداية التسعينات في شكل جرائد أسبوعية واحتلت موقع المعارضة لكن تحول بعضها إلى يومية وبروز جرائد يومية مستقلة جديدة ساهم بتراجع مبيعات جرائد وصعود مبيعات جرائد أخرى حيث حاولت الاقتراب من بعض القضايا الحساسة والجرأة في طرح بعض الموضوعات وإن اتسمت أحيانا بالمزايدة والبحث عن تميز في السوق، إضافة إلى قضايا الإثارة والفضائح وشؤون الشباب.
على مستوى آخر يعرف المغرب ظاهرة فريدة من نوعها تتمثل في استئجار الصحف تتم إعادتها إلى بائع الصحف، كما يفضل البعض مطالعة الصحف بالمقهى، إذ تعمد بعض المقاهي إلى استئجار أو شراء مجموعة من الصحف تضعها رهن إشارة زبائنها، كما يتم نسخ الكلمات المتقاطعة والمهمة ليتم بيعها، حيث يكتفي البعض بهذا القدر من التسلية ولا يهمه الأخبار السياسية أو غيرها.
وتستفيد الصحف من الدعم الحكومي بناء على الميزانية المرفقة بأجور الصحافيين وحساباتها السنوية وحجم المبيعات من التوزيع وكثيراً ما تعمد بعض الصحف إلى تزوير تلك المعطيات من أجل الحصول على الدعم والذي يبلغ سنويا نحو 50 مليون درهم مغربي.
وأكثر الصحف تعتمد على وكالة المغرب العربي للأنباء وهي وكالة رسمية إضافة للمصادر الخاصة للصحافيين والمراسلين. وتشترك معظم الصحف بنشر التحليلات الإخبارية اليومية المحلية أما الخبر العربي والدولي فلا يمثل أكثر من 5% من مساحة الصحيفة.
وللمفارقة فان سعر الصحيفة اليومية درهمان ونصف وهو مبلغ يساوي ثمن تذكرة أوتوبيس لموظف يتقاضى راتبا شهريا يتراوح بين 700 و1000 درهم أي ما يعادل 70 دولاراً وهذه فئة عريضة وواسعة.
الدار البيضاء ـ حمزة عليان