على غير ما كان متوقعاً عقب أول انتخابات رئاسية تنافسية يعرفها اليمن في تاريخه الحديث، جاءت عواصف صيف اليمن الممطر عاتية وظهر أن اتساع مساحة الفقر والبطالة وانتشار الفساد قادران على تحريك رمال الاضطرابات المطلبية لقطاعات واسعة من الناس قبل أن تتحول تلك المطالب إلى احتجاجات سياسية طالت كل اليمنيين. ولم يخل الأمر من اتهام لقوى خارجية باستثمار هذه المعاناة وأخطاء السلطة لصالح مخططاتها.
وفيما كانت مساحة الأمل تتسع مع التقدم الكبير في تنفيذ اتفاق السلام بمحافظة صعدة في شمال البلاد بعد حرب ضروس أنهكت اقتصاد البلاد المتعب أصلاً مدة أربع سنوات، كانت محافظات عدن والضالع وابين تضطرب بموجة احتجاج من العسكريين الذين كانوا يشكلون قوام الدولة التي كان الحزب الاشتراكي يحكمها في جنوب البلاد، للمطالبة بحسب ما قالوا إنه التسريح القسري لهم من أعمالهم منذ انتهاء حرب صيف 1994 التي انتصرت فيها القوات الموالية للرئيس علي عبد الله صالح على القوات التابعة للحزب الاشتراكي.
وبلغت الاحتجاجات ذروتها في مسيرة عسكرية للمبعدين من أعمالهم في السابع من يوليو الجاري، الذكرى السنوية لانتهاء الحرب، حيث شهدت تلك المسيرة شعارات انفصالية موجهة ضد أبناء المحافظات الشمالية أعقب ذلك بأيام أعمال شغب في مباراة لكرة القدم أقيمت في محافظة أبين، بعدما خرج المحتجون على قرارات الحكم لاستهداف الباعة المتجولين من أبناء المحافظات الشمالية بالسب والضرب والعبث بممتلكاتهم.
وفي حين يحرص تكتل المعارضة الذي يضم أبرز أحزاب المعارضة بما فيها الحزب الاشتراكي على مساندة المحتجين في مطالبهم والعمل على أن تجنب احتجاجاتهم أية إساءة للوحدة الوطنية، فإن تبني قائد العسكريين السابقين خطاباً انفصالياً مضاداً للوحدة أفزع المعارضين قبل الحكم وذهب الحديث إلى الأخطاء الفادحة للحكم واتهامه بانتهاج سياسة تصفية جغرافية أنتجت هذه الاحتقانات. إلا أن السلطة ذهبت في اتجاه آخر ووجهت أصابع الاتهام إلى قيادات الحزب الاشتراكي السابقة في الخارج، ورأت أن ذلك يأتي ضمن مخطط خارجي لتمزيق اليمن وإثارة القلاقل فيه.
وإذ طالب الناطق الرسمي باسم تكتل المعارضة محمد الصبري، سلطة الرئيس صالح إلى ترك غرورها وعنادها الكاذب تجاه أوضاع الناس في المحافظات الجنوبية، فإنه اتهمها بالتسبب في وقوع 450 حرباً أهلية وأن أكبر حربين تضررت منها الوحدة الوطنية هي حرب 94 وحرب صعدة 2004.
وفي ورقة قدمها باسم أحزاب المعارضة خلال ندوة محلية، قال الصبري إن حرب 94 خلقت فراغاً سياسياً وقذفت بمئات الآلاف إلى الطرقات والشوارع من المحسوبين على الدولة الراعية في الجنوب والتي كانت تطعمهم وتسقيهم، وحدث ما يشبه التصفية في إدارة تلك المحافظات، وإنه تم النظر إلى الجنوب على أنها بقعة أرض يتم توزيعها كغنائم على المتنفذين والقادة العسكريين والفاسدين والموالين لهذه السلطة، وإذا غابت سيادة الدستور والقانون والمواطنة المتساوية فإن الناس يلجأون لهويات ما قبل الدولة.
وقال الناطق باسم المعارضة إن الناس حينما يشعرون بالظلم وبالمواطنة غير المتساوية فإن جدار الولاء الوطني يهتز لديهم، واتهم جهات لم يسمها بتبني حرب السنة والشيعة كمحاولة لزج اليمن في مشروع معاد للأمة العربية، مبيناً أن الأحزاب التي يمثلها لم تفاجأ بما يجري من احتقانات في المحافظات الجنوبية، لأنها سبق وأن نبهت السلطة في وقت مبكر إلى ضرورة معالجة الأضرار التي لحقت بالوحدة الوطنية.
وأضاف: «لسنا عمال مطافئ لحرائق السلطة وحزبها الحاكم»، إلا أنه حذر الحكم من خطورة استخدام السلطة للأحزاب والقبائل والشخصيات والجماعات ككروت في الصراعات، وحشد محافظات ضد محافظات أخرى، معتبراً هذا التفكير يمثل خطورة على الوحدة الوطنية.
لكن الناطق الرسمي باسم الحكومة اليمنية نصر طه مصطفى وجه سهام اتهامه إلى قيادات الاشتراكي المقيمة في الخارج. وقال إن «رئيس الوزراء السابق حيدر العطاس ظن أن طلب قناة الحرة الأميركية منه الحديث عن ذكرياته ورؤاه ومواقفه حول ماضي وحاضر ومستقبل اليمن هو ضوء أخضر من الأميركان له ولمن يقفون في نفس خطه بالبدء في مشروع انفصال جديد».
وأضاف: إن صح مثل هذا فإن العطاس يكرر نفس الخطأ القاتل الذي ارتكبه المرة السابقة بالركون إلى الخارج والاعتماد عليه والفهم الخاطئ لرسائله.
وبنفس اللغة من الهجوم التي عرفتها الساحة اليمنية أثناء أزمة حرب صيف 1994، قال مصطفى «يريد العطاس ومن معه أن ينتقلوا بخطابهم من الحديث باسم الاشتراكي الذي أصبحوا يعلمون أنه لم يعد قادراً على عمل شيء، إلى الحديث باسم الجنوب ومحاولة إذكاء نعرة مناطقية شطرية عبر من تبقى من كوادرهم بمحاولة نقلها من قضية حزب يريد العودة للسلطة بأي ثمن، إلى قضية أكبر يحاولون من خلالها حشد أناس من خارج الحزب بتوظيف عواطفهم ومتطلباتهم تجاه بعض الأخطاء الإدارية أو بالمبالغة في تصوير بعض الممارسات التي يقوم بها أشخاص فاسدين وليس الدولة، أو باختلاق أمور لا أساس لها ولا وجود وكل ذلك بغرض تحريض اليمنيين ضد بعضهم البعض وبث الفرقة بينهم ومحاولة الإيحاء لهم بأنهم شعبان مختلفان».
وتابع مصطفى القول: «يدرك رئيس أول حكومة للوحدة، أن عصر الحزب الاشتراكي قد ولى إلى غير رجعة وأن حزبه قد أصبح جزءاً من الماضي وهذا ليس بيده ولا بيد الحزب ولا بأيدينا، إنما هو قدر هذا الحزب الذي ينبغي أن يدفعه جراء تاريخه الدموي الطويل وأخطائه الفادحة والقاتلة في حق شعبه والتي اختتمها بالانقضاض على أعظم ما أنجزه اليمنيون في تاريخهم المعاصر وهو استعادة وحدتهم أرضاً وشعباً ودولة، ومحاولة فرض التجزئة بالقوة من جديد».
من جهته، قال البرلماني البارز علي عشال الذي يمثل إحدى دوائر محافظة أبين إن «الحقوق والحريات بالبلاد في حالة من التردي وأن الفصل بين السلطات كقيم من قيم الديمقراطية غائبة وما حصل من تعديلات قضائية شكلية، حيث لا يزال هناك تدخل واضح وسافر للسلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية».
واستبعد إمكانية وجود ديمقراطية في ظل احتكار إمكانيات ومقومات الدولة لصالح طرف ونظام انتخابي مختل ولجنة انتخابية غير محايدة وتجيير المال العام ووسائل الإعلام والجيش والأمن لصالح الحاكم. واستطرد بالقول إن «هناك انتكاسة كبيرة في حياة الناس نتيجة لغياب المواطنة المتساوية واحتكار السلطة والثروة وانعدام تكافؤ الفرص وعودة البلاد إلى حالة ما قبل الدولة والنزوع للولاءات الضيقة على حساب الولاء للوطن الكبير بسبب سياسات السلطة الخاطئة». ورأى أن مشكلة المتقاعدين العسكريين هي نتاج لغياب سيادة القانون والمواطنة المتساوية والشعور بالظلم.
صنعاء ـ محمد الغباري