مرت سنة على استشهاد من قضوا في مجزرة آل حامد التي ارتكبها العدو الإسرائيلي في النبطية فجر التاسع عشر من يوليو الماضي، إلا أن جراح من بقي منهم لم تندمل بعد. لم يندمل جرح اتحاد بيطار، والدة صادق مصطفى حامد وهو الشهيد مع انه كان في الثالثة عشرة من عمره قبل عام.
صار صادق شهيدا، ومعه جدته لأبيه الحاجة خديجة بدر الدين وعمته هيبات حامد وابنة عمه ورود حامد. حولتهم غارة إسرائيلية على «مؤسسة القرض الحسن» المحاذية لمبنى سكنهم في حي الميدان، إلى شهداء. ما زال جرح اتحاد يسكنها. أنهك المرض والتعب جسدها. هي لا ترى أفقاً قريباً لاندمال حزنها وجروحها. منذ استشهاد ولدها تعودت النوم على المهدئات، وكلما استفاقت تراه أمامها يحدثها ويلاطفها بخفة الدم التي تميز بها. يحزّ في نفسها أن ابنها ومن استشهد معه لم يحظوا بالرعاية والتكريم من قبل الجهات الرسمية أو الحزبية في الجنوب. كما لم يهتم احد بذويهم أو ساعدهم على تجاوز معاناتهم. مضى عام ولا يعزي أم صادق إلا نجاة ولديها مهدي وعلي اللذين يعيشان اليوم في شقة يملكها أخوها حسن بيطار في حي البياض في النبطية، إذ لم تتمكن بعد من إعادة بناء منزلها الذي يقع في عقار مشترك مع ذوي زوجها وورثته، بسبب عقبات قانونية وارثيه.
تحكي اتحاد ودموعها وقائع ذلك اليوم فنقول: «كنت أنوي مع أولادي النزوح عن النبطية قبل اليوم المشؤوم بثلاثة أيام، لكننا عجزنا عن تأمين وسيلة نقل.. اتفقت العائلة مع سائق فان حضر لنقل أفرادها عشية المجزرة ولكن الأقارب نصحونا بعدم المغادرة في ذلك الوقت، ففضلنا الانتظار حتى الصباح».لكن إسرائيل لم تنتظر.استشهد صادق مع جدته وعمته وابنة عمه وسيدة من الجالية السريلانكية.
تقول بيطار :«لم نعِ ما حصل في تلك اللحظة، شعرت بثقل كبير فوق جسدي». وتحت وطأة الركام والحجارة رأت صادق يحاول الصراخ «لكن شيئاً في فمه كان يمنعه». سمعت اتحاد ابنها مهدي ينادي «يا ماما لا تموتي وتتركينا». وكان رأس الشهيدة ورود قريباً من رأسي، وسألتني قبل استشهادها بلحظات: «ماذا سنفعل لكي لا نموت؟» فقلت لها «لا نستطيع فعل أي شيء وهذه هي نهايتنا».
بعدها سكتت ورود إلى الأبد، «وتلاشت حشرجة ابني صادق، فيما غبت أنا عن الوعي ولم أستفق سوى في المستشفى». في المستشفى سمعت اتحاد ابنها علي يقول انها حفرت بأظافرها وأسنانها لكي يظهر رأسها من تحت الركام، «فحمدت الله على سلامتنا، ثم سألت عن ولدي صادق، فأوهموني بأنه أصيب في رأسه وهو يخضع لعملية جراحية، فتساءلت كيف سيستفيق من العملية ولن يجدني بقربه، لكنه لم يستفق بعد ذلك أبداً». حتى اليوم لا يصدق علي (الابن البكر لاتحاد) أنه نجا مع أمه وشقيقه مهدي من الموت. ي
قول: «كنت أسمع أنين أمي وصراخ شقيقي مهدي عليها، بينما لم أسمع صوت صادق ولا صوت ابنة عمي ورود لأنهما كانا قد قضيا تحت الركام». ليست حال نهلة حامد، ابنة الشهيدة الحاجة خديجة بدر الدين وشقيقة الشهيدة هيبات علي حامد أفضل حالاً من أرملة شقيقها اتحاد. تمنت لو سلمت أي قطعة ثياب أو أي شيء من أثر والدتها وشقيقتها. ما يؤلم نهلة أيضاً، بالإضافة إلى إهمال الساسة والأحزاب المعنية، هو وسائل الإعلام.
تقول: «كنا نأمل أن يكافأ شهداؤنا على الصعيد المعنوي وليس المادي، ليكون ذلك بمستوى التضحية التي بذلوها، وفي الوقت الذي قامت فيه فاعليات بتكريم الشهيدة هيبات في بيروت، لم نرَ في النبطية أي تكريم لها ولشهدائنا الآخرين». وتلفت إلى أن والدتها وشقيقتها هيبات كانتا تعيلان عائلتها وعائلة شقيقها المرحوم مصطفى، وكانت هيبات موظفة في جمعية تنظيم الأسرة في الجنوب، تروي نهلة أن ابن شقيقها الشهيد صادق كان يلعب كرة السلة على سطح المنزل، وعندما حذرته من خطورة ذلك أجابها: «خلينا نلعب شوي بلكي متنا».
النبطية ـ عدنان طباجة