تحمل في جنباتها عبق التاريخ، وتحكي قاعاتها فصولاً من الحكم والصلح والتفاوض والتخطيط لصد أي عدوان.. إنها قلعة مدينة صحار، والتي أخذت نفس الاسم عندما بنيت في العام 1400م على إطلالة بحرية متميزة في قلب المدينة من قبل أحد أمراء هرمز واكتسبت شهرة تاريخية واسعة من حيث أهميتها واستحكامها الدفاعي واستخدامها كحصن يسكنه الحاكم والوالي.
أما في وقتنا الحاضر فتعد القلعة أحد أهم المواقع التاريخية التي يقصدها السياح والزوار لمدينة صحار، ويحيط بالقلعة البيضاء سور مرتفع محكم البناء، وله باب خشبي كبير أسود محلي الصنع تقرأ فيه عبق التاريخ وبراعة الصناعة العمانية، وأمام هذا الباب تجد مدفعين وضعا كنموذج لأحد أنواع الأسلحة الحربية قديما في عُمان.
ويقوم على حراسة القلعة شباب عمانيون بلباس لونه رمادي وهو اللون المعروف لحراس الوالي والقلاع والحصون وكل من هؤلاء يحمل بندقية حراسة، وليس لهما مهمة سوى حماية القلعة بشكل تناوبي واستقبال زوارها مرحبين بالتمر والحلوى والقهوة العربية كنموذج للضيافة العمانية.
أما في داخل القلعة فهناك مكتب أعد خصيصاً لمشرف القلعة والمرشدين السياحيين الذين يقومون باستقبال الزوار وتعريفهم بتاريخ قلعة صحار وأهميتها وما تحتويه. فقديماً كانت صحار هي العاصمة لعمان وكان الحاكم يتخذ من قلعة صحار سكنا له إلى جانب مجالس الحكم (البرزة)،
ويوجد حول القلعة 5 أبراج ومدافع وبها مستودعات للذخيرة والبارود لصد العدوان وحماية المدينة، كما يوجد في وسط القلعة باب صغير يؤدي إلى نفق سري مظلم يمتد تحت الأرض لمسافة 25 كيلومتراً إلى الغرب ليربط القلعة بمنطقة حوراء برغا الجبلية في وادي الجزي،
ففي هذه المنطقة يوجد برج مقابل للقلعة ومنها يسلك المقاتلون طريقهم إلى قلعة الحزم في ولاية الرستاق على بعد حوالي 100 كيلومتر بين الجبال، ويتم أيضاً عبر هذا النفق السري تزويد القلعة بالمؤن والاحتياجات الدفاعية التي تعين المدافعين على الصمود في وجه العدو.
كما يوجد بها ضريح السيد ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي أحد حكام عُمان ومجسم لسفينة صحار التي أبحرت إلى الصين وحمام للسباحة. وفي فناء السور يوجد مسرح كبير تقام عليه بعض الاحتفالات والمناسبات الثقافية والرسمية كمهرجان الشعر العماني، لكن أبرز ما تحتويه قلعة صحار ذلك المتحف الذي يضم في ثلاثة طوابق الكثير من المسكوكات التي يعود بعضها إلى القرن الثاني عشر ميلادي
وأهم ما في هذا المتحف رسالة في برواز ذهبي وهي نموذج لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأهل عُمان التي يدعوهم فيها للإسلام حينما أوفد إليهم الصحابي الجليل عمرو بن العاص حاملا كتابين أحدهما لأهل المدينة جاء في نصه المختصر: «من محمد رسول الله. إلى أهل عُمان أما بعد..
فأدعوكم أن تقروا أن لا اله إلا الله وأني رسول الله وأن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وأن تعمروا المساجد». أما الكتاب الثاني فكان موجهاً من الرسول الكريم إلى عبد وجيفر ابني الجلندي حاكمي عُمان آنذاك (630م) وهو المشهور ونصه: «من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي.
السلام على من اتبع الهدى، أما بعد... فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين.
وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تطأ ساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما». وبعد استلام الرسالة ما كان من جيفر وعبد ابني الجلندي إلا أن اعتنقا الإسلام ودعيا إليه وجوه القبائل وأخذ الناس بعدها في عُمان يدخلون في دين الله أفواجاً.
وتبعد قلعة صحار عن دوار الكرة الأرضية أو الدوار الرئيسي كما يسميه البعض بحوالي 3 كيلومترات إلى الشرق باتجاه البحر ويقابلها مباشرة مكتب الوالي الذي يتولى إدارة شؤون الولاية بالتعاون مع الدوائر الحكومية الأخرى وبمحاذاته كاتب العدل الذي كان سابقا مكتب القاضي.
وفي يمين القلعة يوجد جامع السلطان قابوس الذي يعتبر أحد المعالم الحضارية في صحار ويقابل مدخل هذا الجامع الإسلامي مباشرة كورنيش المدينة الذي يمتد لمسافة ثلاثة كيلومترات وصولا إلى سوق بيع الأسماك ورصيف ميناء الصيد.
أما على اليسار فهناك السوق القديم الذي اشتهر كنقطة التقاء التجارة العالمية وتزويد البحارة بمستلزماتهم وفي الناحية الغربية على بعد بحوالي 100 متر فهناك سوق القلعة للصناعات والحرف التقليدية الذي صمم
وفقا لنموذج العمارة العمانية وتقسيمات الأسواق التقليدية ويضم كثيرا من الصناعات والحرف اليدوية العمانية كصناعة الخناجر والسيوف والنسيج والغزل والسعفيات والفخار والحلوى وصناعات ذهبية وفضية وبيع الأسلحة التقليدية والمنتجات القطنية والعسل والبخور والتحف والهدايا،
وقريب منه يوجد سوق الجمعة وهو سوق شعبي تزينه ملامح الشيخوخة في وجوه الباعة العمانيين أذا يضم هذا السوق كل المستلزمات الشعبية والتراثية ويقابله حظائر لبيع المواشي المحلية.
مسقط ـ علي البادي