بعد مضي ثماني سنوات على القضية التي شغلت العالم أسدل الستار أمس على قضية الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني الذين امضوا 2755 يوماً رهن الاعتقال في ليبيا بتهمة نقل فيروس الايدز إلى 438 طفلا ليبيا (توفي 56 منهم)، حيث وصلوا أمس إلى صوفيا بعد الإفراج عنهم صباحا. ومن شأن هذا التطور ان يزيل عائقا من أمام محاولات ليبيا التي عانت من عزلة طويلة لإكمال عملية تطبيع العلاقات مع العالم الخارجي.

واصدر الرئيس البلغاري غورغي برفانوف عفوا عن الممرضات والطبيب البلغار المحكوم عليهم بالسجن المؤبد في ليبيا والذين افرج عنهم، على ما أعلن وزير الخارجية ايفايلو كالفين بعيد وصولهم إلى صوفيا. وقال كالفين «مارس الرئيس برفانوف حقه في اصدار العفو بناء على قناعته القاطعة ببراءتهم».

وقد سلم المتهمون إلى صوفيا اثر مفاوضات دبلوماسية مكثفة وبموجب اتفاق التعاون القضائي الموقع بين بلغاريا وليبيا عام 1984. ورافق الممرضات والطبيب الفلسطيني الذي حصل مؤخرا على الجنسية البلغارية على متن طائرة حكومية فرنسية سيسيليا ساركوزي زوجة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمفوضة الأوروبية بينيتا فيريرو فالدنر. وجاء الإفراج ثمرة جهود دبلوماسية مكثفة قام بها الاتحاد الأوروبي وفرنسا.

وكان على ارض المطار في استقبال الممرضات والطبيب الذين بدا عليهم الإعياء عائلاتهم. وفور وصولهم عانقت الممرضات كريستيانا فالتشيفا وناسيا نينوفا وفاليا تشيرفينياشكا وفالنتينا سيروبولو وسنييانا ديميتروفا وكذلك الطبيب اشرف احمد جمعة الحجوج اقرباءهم. ووسط البكاء والعناق في المطار قالت الممرضة ديميتروفا البالغة من العمر 54 عاما «لا أعرف ماذا أقول.. عشت من أجل هذه اللحظة».

وقالت الممرضة فالنتينا البالغة من العمر 48 عاما لدى وصولها إلى صوفيا «الذكريات التي حملتها من ليبيا ليست سيئة جميعها. فالليبيون العاديون طيبون».وأضافت «مازلت عاجزة عن استيعاب ما يجري».كما استقبلهم الرئيس البلغاري غورغي برفانوف ورئيس الوزراء سيرغي ستانيشيف ووزير الخارجية ايفايلو كالفين وعدد من الدبلوماسيين.

ورحبت فرنسا والاتحاد الأوروبي في بيان في بروكسل ب«البادرة الإنسانية» التي قامت بها ليبيا وسمحت بالإفراج عن الممرضات والطبيب البلغار وعبرا «عن امتنانهما العميق لأمير ودولة قطر اللذين ساعدت وساطتهما بالتوصل إلى هذه النهاية السعيدة».

وكان الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان أعلن بعيد وصول الطائرة الرئاسية الفرنسية التي أعادت الممرضات والطبيب من طرابلس «اننا على مسافة يومين من زيارة يقوم بها رئيس الجمهورية الفرنسية إلى ليبيا. من الواضح ان هذه الزيارة لم تكن ممكنة لو لم يتم الإفراج عن الممرضات والطبيب وهي حجة كان لها وزن كبير». وكشف ان المفاوضين «كانوا حتى النهاية يشككون في الإفراج» عن الممرضات والطبيب، مشيرا إلى ان «حججا إنسانية وكذلك حججا سياسية» طرحت خلال المحادثات.

من جهتها أعلنت مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي بينيتا فيريرو فالدنر لدى وصولها إلى صوفيا ان الافراج عن الممرضات والطبيب البلغار يسمح بفتح صفحة جديدة بين الاتحاد الأوروبي وليبيا وبتعزيز العلاقات بينهما. وقالت في بيان ان «هذا القرار سيفسح المجال لعلاقة جديدة ومعززة بين الاتحاد الأوروبي وليبيا وسيوطد روابطنا مع منطقة المتوسط ومع مجمل إفريقيا»، مضيفة «أرحب بقرار الحكومة الليبية نقل (الممرضات والطبيب) البلغار إلى بلغاريا وأشاطر عائلاتهم وأصدقائهم وكذلك حكومة بلغاريا وشعبها فرحتهم».

وكان مسؤول حكومي ليبي قال في وقت سابق ان الشروط التي وضعتها ليبيا لتسليم الممرضات والطبيب إلى صوفيا تم تلبيتها. وقال المسؤول طالبا عدم كشف اسمه «تمت التسوية. اخذنا ضمانات لعلاج الأطفال وتأهيل مستشفى بنغازي وضمان الشروط الليبية لتطبيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي»، مضيفا ان «الممرضات غادرن البلاد لكن على العالم الا ينسى مأساة الأطفال المصابين بالايدز».

إلى ذلك أعلن رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو انه تعهد للزعيم الليبي معمر القذافي بالعمل على تطبيع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وليبيا بعد تسوية قضية الممرضات والطبيب. وأوضح باروزو في مؤتمر صحافي بعد إعلان وصول الممرضات والطبيب إلى صوفيا انه أجرى اتصالا هاتفيا طويلا و«حارا» مع القذافي «عبرت له خلاله عن رغبتنا في تطبيع العلاقات أكثر بين الاتحاد الأوروبي وليبيا» في حال تسوية قضية الممرضات والطبيب.

وتابع «قلت لهم (الليبيين) اننا سنعمل على هذا التطبيع بما يخدم مصلحة أوروبا وليبيا وإفريقيا». وقال انه أوضح في الاتصال الهاتفي ان هذه العلاقات كانت «متعثرة بسبب عدم تسوية هذه القضية والآن قد سويت وإننا مستعدون للمضي أكثر في تطبيعها».

وحسبت وكالة الأنباء البلغارية (بي تي ايه) ان المحكومين الستة امضوا 2755 يوما في الإجمال في السجن بليبيا. وحكم على الممرضات والطبيب بالإعدام بتهمة نقل فيروس الايدز إلى أكثر من 400 طفل ليبي. والأسبوع الماضي خفف حكم الإعدام إلى السجن المؤبد. وتسليمهم إلى صوفيا تم بموجب اتفاق ثنائي للتعاون القضائي موقع في 1984 واثر مفاوضات طويلة مع السلطات الليبية.

وقد عبر الرئيس البلغاري عن ارتياحه ل«الدور الناشط لشركائنا الأوروبيين وخصوصا الرئيس نيكولا ساركوزي ورئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو والمفوضة بنييتا فيريرو فالدنر» كما شكر سيسيليا ساركوزي «لالتزامها الشخصي» في هذه القضية. وأعرب رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون عن ارتياحه قائلا في بيان «ان هذا الإفراج أصبح ممكنا بفضل الجهود المشتركة» التي قام بها باروزو وساركوزي.

التسلسل الزمني للقضية

في ما يلي التسلسل الزمني لقضية الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني الذي حصل مؤخرا على الجنسية البلغارية:

ـ 16 فبراير 1999: طرابلس تعلن اعتقال خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني يعملون في مستشفى بنغازي في شرق ليبيا.

ـ 7 فبراير 2000: بدء محاكمة الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني اشرف جمعة حجوج بتهمة نقل فيروس الايدز عمدا لنحو 400 طفل ليبي بهدف «الإساءة للأمن في البلاد».

ـ 2 يونيو: وزارة العدل البلغارية تعلن أن الممرضات الخمس قلن إنهن تعرضن للتعذيب خلال تحقيق الشرطة.

ـ 16 يونيو 2001: المدعي الليبي يطلب إنزال حكم الإعدام في حق المتهمين الذين دفعوا جميعا ببراءتهم.

ـ 17 فبراير 2002: محكمة الشعب في طرابلس، وهي هيئة تبت في قضايا المس بأمن الدولة تحيل الملف على النيابة لعدم توفر الأدلة في اتهام «القتل المتعمد» لكنها تثبت تهمة «التسبب في تفشي وباء عبر مواد معدية».

ـ 3 يونيو: النيابة تصر على الاتهامات وتبدأ إجراءات جديدة.

ـ 26 أغسطس: غرفة الاتهام في بنغازي تقرر إحالة الملف على المحكمة الجنائية في المدينة.

اثنتان من الممرضات والطبيب الفلسطيني يؤكدون أمام المحكمة أنهم أدلوا باعترافاتهم خلال استجواب الشرطة تحت التهديد.

ـ 8 يوليو 2003: استئناف المحاكمة قبل إرجائها مجددا.

ـ 3 سبتمبر: بروفسوران في الطب، الفرنسي لوك مونتانييه الذي عزل فيروس الايدز والايطالي فيتوريو كوليتسي، يؤكدان أن سبب العدوى هو عدم مراعاة الشروط الصحية والنظافة في المستشفى.

ـ 6 مايو 2004: محكمة بنغازي تصدر حكم الإعدام في حق المتهمين.

المتهمون الستة يستأنفون الأحكام. وفي ديسمبر، ترفض صوفيا عرضا من طرابلس بإغلاق الملف في مقابل دفع عشرة ملايين يورو عن كل طفل مصاب.

ـ 7 يونيو 2005: تبرئة عشرة ضباط ليبيين متهمين بتعذيب المتهمين لإرغامهم على الاعتراف.

ـ 23 ديسمبر:اتفاق بين طرابلس وصوفيا حول إنشاء صندوق دولي للتعويضات لمساعدة الأطفال المصابين بالايدز.

ـ 25 ديسمبر: المحكمة العليا تقبل طلب استئناف المتهمين الستة وتأمر بإجراء محاكمة جديدة.

ـ 11 مايو 2006: بدء المحاكمة الجديدة في طرابلس.

ـ 12 سبتمبر: اسر الضحايا يطالبون ب15 مليون دولار عن كل طفل مصاب.

ـ 19 ديسمبر: تثبيت الأحكام بالإعدام.

ـ فبراير: الاستئناف الأخير للمتهمين.

ـ 25 فبراير: طلب إنزال العقوبة القصوى (السجن ثلاث سنوات) في تهمة «الافتراء» على شرطيين ليبيين اتهموا بالتعذيب. وتم تبرئتهم في 27 مايو.

ـ 1011 يونيو: مفاوضات بين مبعوثين أوروبيين ودبلوماسيين ليبيين.

ـ 19 يونيو: صوفيا تعلن منح الجنسية البلغارية للطبيب الفلسطيني.

ـ 20 يونيو: النيابة الليبية تطلب تثبيت حكم الإعدام الصادر في حق المتهمين الذين يحاكمون أمام المحكمة العليا التي حددت موعد النطق بالحكم في 11 يوليو.

ـ 10 يوليو: مؤسسة القذافي تعلن الاتفاق على تعويضات مالية مع اسر الضحايا.

ـ 11 يوليو: المحكمة العليا تثبت حكم الإعدام في حق المتهمين الستة.

ـ 12 يوليو: زيارة مفاجئة لسيسيليا زوجة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي التي قامت بزيارة إلى الممرضات البلغاريات وعائلات الأطفال المصابين والتقت الزعيم الليبي معمر القذافي.

ـ 15 يوليو: مؤسسة القذافي تؤكد موافقة عائلات الأطفال على تعويضات بقيمة مليون دولار للضحية. عدد الضحايا بلغ نحو 460 من الأطفال والأمهات اللواتي انتقلت إليهن العدوى.

ـ 17 يوليو: الأسر تنازلت عن تنفيذ حكم الإعدام بعد «قبض التعويضات».المجلس الأعلى للهيئات القضائية، أعلى هيئة قضائية في ليبيا، يخفض عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد.

ـ 18 يوليو: القضاء الليبي يبرئ الممرضات والطبيب من تهمة «الافتراء» التي رفعها ضدهم ضابط ليبي.

ـ 19 يوليو: بلغاريا ترسل طلبا رسميا لتسليم الممرضات والطبيب.

ـ 19 يوليو:اتصال هاتفي جديد بين ساركوزي والقذافي.

ـ 22 يوليو: المفوضة الأوروبية للعلاقات الخارجية بينيتا فيريرو فالدنر تأتي إلى ليبيا مع سيسيليا ساركوزي والأمين العام لقصر الاليزيه كلود غيان.

ـ 24 يوليو: الرئاسة الفرنسية تعلن الإفراج عن الممرضات والطبيب الذين نقلوا إلى صوفيا.

(ا ف ب)