يستعجل شهيد أخاه أمير وهو يقف عند باب الدار، «عجلّك شوي تأخرنا».لحظات ويظهر أمير من باب الدار. يخرج راكضا وهو لم ينه ربط شريط حذائه.الطفلان على موعد اللقاء الأسبوعي مع والدهما، أو بالأحرى ضريح والدهما الشهيد راني بزي. زيارة لا يمكن ان تفوت الصغيرين تحت أي ظرف.
منذ نهاية الحرب، يواظب أهالي الشهداء على زيارات الخميس الأسبوعية، يجتمعون عند روضة شهدائهم لقراءة الفاتحة وإقامة مجالس عزاء.هنا جبانة بنت جبيل، المقبرة التي غيّر العدوان معالمها و«غذّى» ترابها بالمزيد من دماء أبنائها، تتشح بالسواد عصر كل خميس.
يتضاعف الحزن على وجوه الأحبة كلما اقتربوا من المكان حيث لكل منهم حبيب غال. في القلوب لوعة لم تخفت بعد، والفراق قاس، ولكن العزة ترفرف فوق الرؤوس. هناك تحكي الأم لأطفالها عن أبيهم البطل الذي قضى وهو يمنع الغزاة من تدنيس تراب بنت جبيل وأخواتها.
بالقرب منها، يطلب أب شهيد من زوجته أن تكفكف دموعها: «ابنك رفع لنا رأسنا ودموعك بتضايقه».هنا كل شخص تقوده قدماه مباشرة إلى ضريح شهيده، وجوه أضناها التعب وبللتها دموع الأيام التي تمضي على سجيتها الرتيبة. اليوم، وبعد سنة على العدوان الإسرائيلي، لا يبدو أن الزمن نجح في تبريد قلوب الأهل. كل خميس يمر كأنه الخميس الأول، يبكون الفراق وليس الشهادة.
يقول والد شهيد لفتته آلة التصوير، وهو يكمل ما كان يتلوه من القرآن، «آلام الفراق صعبة ولكن عزة النصر أقوى».عند السادسة مساء يكتمل الجمع كبارا وصغارا، نساء ورجالا وأطفالا. يحضر مجتمع بنت جبيل بتلاوينه. البداية ترحيب وقرآن، فمجلس حسيني يتخلله موعظة دينية ومن ثم توزيع الحلوى عن أرواح الشهداء الحاضرين أبداً.
على امتداد ساعة واحدة هي مدة هذا الاحتفال، وقبل وأثناء وبعد كل هذا، تعبق روائح البخور والعيزقان في مساحات الفضاء الرحب، تحملها نسمات الأشجار المحيطة إلى كل ركن وزاوية من بقايا بنت جبيل، تخبر الأهالي بان هناك بين تلك القبور رجال عاشوا هنا واستشهدوا هنا ودفنوا تحت هذه الأرض وفي سبيلها.
معنى المناسبة وبعدها يوسع مروحة الحضور. لا تقتصر المشاركة على أهالي الشهداء بل تشعر أن بنت جبيل كلها، لو تمكنت، ستزحف وتأتي إليهم. منهم من يأتي ليستذكر قريب أو صديق أو حبيب. يجتمعون للمواساة ومن ليس له من يزوره فيأتي «لكسب الأجر»، وان كان طقس هذه المنطقة يمنع الاجتماع خلال خميسات الشتاء فان لهذه الأيام في باقي أيام السنة مواعيدها الثابتة.
ينتهي عصر كل خميس عند جبانة بنت جبيل بتوجه الحاضرين شطر الشرق وبدعاءي «العهد والفرجس لتعجيل ظهور المهدي، وانتظار الصبح الذي يرونه قريبا «فما شهادة من نجتمع لإحياء ذكراهم إلا تمهيدا لهذا الظهور والعدل والقادم».
بنت جبيل التي اضناها تعب الفراق ما تزال تستذكر أناس اعزّوها فاحتضنتهم بين طيات ترابها، وهي لاتزال تنتظر جثامين آخرين سحبهم الغزاة شهداء أسرى، هم أحرار بالتأكيد بأرواحهم التي لاقت الموت بصدورهم، وهم على الأرجح ليسوا آسفين على فرصة أتاحها لهم العدو بزيارة ثرى فلسطين التي يحبون ولا يفرقونها عن بنت جبيل.