تحل اليوم الذكرى 55 لثورة يوليو 1952 والتي يحسب لها تغيير وجه مصر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ومع مرور السنين دخلت مصر في موجات متقلبة من الأحداث على الصعيد الداخلي والخارجي ما يجعل الثورة في كل ذكرى مناسبة للنقد والتحليل بين مؤيدين يبرهنون انجازات الماضي ومعارضين يتساءلون عن تحديات المستقبل.
ويحسب للثورة وقائدها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر إنجازات عظيمة لم تحققها غيرها من الثورات، فقد اعتمدت انجازات الثورة على أن يتسلم الحكم أبناء مصر للمرة الأولى في تاريخها، كما مهدت لأهمية القومية العربية وأن التوجه العربي هو الأساس لتقدم الأمة بالإضافة إلى الانجازات الاقتصادية والشعبية التي طالت جميع طبقات الشعب المصري مثل قانون الإصلاح الزراعي وإلغاء الألقاب ومواجهة الاحتكار والاستغلال.
ووضع مصر على بداية الطريق نحو التنمية الشاملة من خلال بناء السد العالي وتأميم قناة السويس. والآن بعد مرور 55 عاماً على قيام الثورة، وفى ظل سيطرة رأس المال خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وأصبحت العولمة هي الموجهة للعالم هل أصبحت ثورة يوليو ومبادئها جزءاً من التاريخ، ولم يعد لانجازاتها وجود خاصة بعد موت عبد الناصر القائد الذي حفظ لمصر والأمة العربية الكثير؟ أم أنها استطاعت الاستمرار وتجديد نفسها ومواجهة أعاصير المهاجمين؟
وهناك تباين واسع في الآراء بين الذين أعلنوا وفاتها بوفاة عبد الناصر أو بعد ذلك بسنوات، وبين الذين يرون أن الثورة مستمرة سواء من المُعادين لها أو المؤيدين، فالذين صنعوا أحداث الثورة في فترة من الفترات ولعبوا دوراً في مسارها يرون أن الثورة لم يعد لها وجود، لأن أغلب ما صنعوه وأنجزوه قد تم تغييره أو تعديله أو إلغاؤه الآن في مقابل من يرون أن الثورة مستمرة، لأن جوهرها لم يتغير .
وأن ما تغير هو في الأساليب والوسائل التي تحقق الأهداف وهناك أيضاً المعادون للثورة والذين يرون هذا الرأي ويعتبرون أن انتصارهم الحقيقي ليس في تغيير أساليب الثورة أو وسائل تحقيق أهدافها وإنما في نهاية تلك الحقبة وشطبها نهائياً من تاريخ مصر حتى لو تحالفوا مع كل أعداء الثورة. ووطدت الثورة أساس الحكم الوطني في مصر لتبدأ بعد ذلك الانطلاق نحو البعد القومي العربي.
وهو البعد الثاني لثورة يوليو بتوجهها العربي قراراً ومصيراً ورغم النكسات والصراعات التي شهدتها المنطقة العربية وخاصة فترات الانقسام بسبب سياسة الأحلاف الأجنبية واختلاف التوجهات الاجتماعية فترة عبد الناصر، إلا أنه في مؤتمر القمة العربي في أغسطس 1967 في الخرطوم الذي حدد ثلاثة توجهات أساسية، لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل، أعاد الالتئام إلى صفوف الجسد العربي، وتباعدت الخلافات الاجتماعية وتم تنحية هذه الخلافات وتغليب المصالح القومية العليا من اجل ازالة آثار هزيمة 1967.
كما أعطت ثورة يوليو للفلاح المصري قانون الإصلاح الزراعي في 9 سبتمبر 1952 والذي أعطى ميزات كبيرة للفلاحين المعدمين ومستأجري الأراضي على حساب الملاك، سواء كانوا كبارا أو صغاراً، من خلال انحيازها الطبقي إلى الشرائح الفقيرة من الطبقة الوسطى على حساب كبار الإقطاعيين والرأسماليين، فهل اندثرت انجازات الثورة في ظل تطورات دولية واقليمية في غاية التعقيد؟ تتشابك فيها الأهداف الوطنية بالاجتماعية والكرامة الوطنية بتحدي الجوع والفقر وآمال التنمية بمحاولات تهميش الدور القومي والريادي لمصر عربياً وإفريقيا وإسلاميا .
ولعل هذا الجانب الاجتماعي هو أكثر الجوانب عمقاً وتأثيراً في المستقبل السياسي لمصر لما يمسه من قوى وفئات واسعة يلحق بها أضراراً جسيمة في معادلة حكومية غير منحازة تحاول إعادة التئام العلاقات بين شرائح المجتمع وطبقاته وموازنة حقوق جميع القوى الاجتماعية والتخلي شيئاً فشيئاً عن دور محاباة مجموعة أو شريحة طبقية والالتزام بالدور التقليدي للدولة كحارسة للقانون والدستور وضبط الصراع بين فئات المجتمع في حدود القانون والدستور، وهي مسألة جديدة تطرح على البحث ما بين المناصرين للثورة.
ويرى أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة وزعيم «حزب التجمع» خالد محيي الدين أنه «حدث هدم للكثير من منجزات الثورة يدرك فداحته الشعب المصري، من هذا الهدم على سبيل المثال: قانون العلاقة المستحدث بين المالك والمستأجر، والذي وافق عليه مجلس الشعب العام 1997 يمثل تراجعاً جذرياً عن أحد مكتسبات ثورة يوليو والذي يتمثل في قوانين الإصلاح الزراعي، وهي القوانين التي تمثلت فلسفتها في بعدين أساسيين الأول هو أخذ كل ما يزيد على حاجة الملاك وتوزيعه توزيعاً عادلاً على فقراء الفلاحين والمعدمين منهم والثاني في تنظيم العلاقة الايجارية بين المالك والمستأجر التي تطورت طبقاً لتطور الظروف».
وإذا ما تجاوزنا عن المعارضين والمؤيدين إلى أصحاب وجهة نظر الاستمرارية فنجد الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد يقول «نحن جميعا مصريون والقادة الثلاثة مصريون أيضاً وعن عبد الناصر يقول أنه كان فارسا شجاعاً يحمل أخلاق ونبل الشاعر، والعهود ليست حلقات منفصلة وإنما كل حلقة تؤدي إلى حلقة أخرى بدورها ومعايير حكم أي عهد هو رؤيته الخاصة لظروف دولته ولظروف العالم من حوله».
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية: