نفى وزير الإعلام السوري د. محسن بلال في حديث إلى «البيان» ما يشاع في وسائل الإعلام عن وجود تحركات سورية غير اعتيادية على جبهة الجولان أو إزالة حواجز، مؤكداً على أن خيار سوريا في استعادة أراضيها المحتلة لا يزال حتى الآن في إطار المفاوضات والحل السلمي، ولكنه شدد أن سوريا ستدافع عن شعبها إذا تعرضت لعدوان إسرائيلي، معتبراً أن الهدف من نشر هذه الأخبار إيجاد ذرائع لتبرير عدوان على دمشق.
وفي أول موقف رسمي سوري من الحوار اللبناني المنعقد في فرنسا شكك بلال بإمكانية نجاح مثل هذا الحوار طالما أن اللبنانيين لم يتفقوا على أرضهم، مؤكداً أن حرب يوليو بين «حزب الله» وإسرائيل غيرت معادلة الصراع في المنطقة ولوت الذراع العسكرية الإسرائيلية، وضعضعت الوضع السياسي الإسرائيلي الذي شهد موجة استقالات وإقالات غير مسبوقة.
وفي ما يلي نص الحوار:
ـ يدور حديث في وسائل الإعلام العالمية والإقليمية حالياً عن احتمالات اندلاع حرب في فترة قريبة، ومن جهة أخرى هناك أخبار تتحدث عن استئناف عملية السلام بين سوريا وإسرائيل، كيف تنظرون إلى هذه الأخبار والتحليلات التي تتداولها وسائل الإعلام حالياً؟
ـ قبل أن نتحدث عن احتمالات الحرب أو السلام، ينبغي أن ننظر إلى أساس الموضوع، فسوريا دائماً كانت تؤمن بالسلام العادل والدائم والشامل. وللسلام، كما نؤمن به عناصره، أول هذه العناصر استعادة الأرض، كل الأرض العربية المحتلة ومنها الجولان كاملاً وإقامة الدولة الفلسطينية وحق اللاجئين بالعودة والانسحاب التام من مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، وبالتالي تحقيق السيادة على كل هذه الأراضي العربية المحتلة حتى خط الرابع من يونيو.
سوريا انخرطت في عملية السلام واتخذت خيار السلام والمفاوضات باعتباره السبيل الذي يؤدي إلى استعادة الأرض. وهذه العملية السلمية كما هو معلوم بدأت في أكتوبر 1991 واستمرت حتى العام 2000 دون أن تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي إلى خط الرابع من يونيو، وتم إنجاز ما يقارب 85 في المئة من اتفاق السلام ولم يبق سوى 15%. والرئيس بشار الأسد أكد أكثر من مرة أننا على استعداد لاستئناف عملية السلام لإنجاز ما تبقى من نقاط عالقة، ولكن منذ العام 2000 وحتى العام 2007 وإسرائيل تتخبط في أزماتها السياسية فلا تكاد تخرج من أزمة حتى تدخل في أزمة أخرى.
أتى شارون وحكم باسم «الليكود» وكانت مهمته الأساسية تعطيل عملية السلام، وعملياً ما تزال مجموعة شارون في الحكم وعلى رأسها اليميني المتطرف ايهود أولمرت رئيس بلدية القدس المعروف بقراراته العنصرية وممارساته التوسعية.
بالنسبة لنا قلنا أكثر من مرة، صحيح أننا اخترنا المفاوضات والمباحثات وعبر مؤتمر مدريد، وبرعاية الاتحاد السوفييتي وأميركا وحتى أوروبا، وعلى أساس أن تعود الحقوق العربية كاملة عبر هذه العملية، علماً أن الولايات المتحدة نفسها وأثناء إدارة الرئيس بوش الأب ومن بعده إدارة الرئيس بيل كلينتون كانت قد دعت ورعت عملية مدريد على أساس قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام.
ومرت السنون وإسرائيل تدير ظهرها لعملية السلام والولايات المتحدة تنتقل من إدارة ديمقراطية إلى إدارة جمهورية، تخبطت بعد 11 سبتمبر من خطوة خاطئة إلى خطوة خاطئة أكثر.
عندما أعلنت الولايات المتحدة حربها على الإرهاب، قالت سوريا إن الحرب ليست هي العلاج السليم لقطع دابر الإرهاب، وسوريا أوضحت في جميع المناسبات أن ثمة فرق بين الإرهاب الأعمى المجرم الذي لا دين له، وبين المقاومة الوطنية المسلحة التي تستهدف استعادة الأرض. ولكن الولايات المتحدة وبعد 11 سبتمبر حرصت على إلحاق مسألة المقاومة الوطنية بعجلة الإرهاب.
لا أشك بأن بعض الأميركيين وخصوصاً المحافظين الجدد ومعهم الصهاينة نجحوا بإقناع إدارة بوش بأن المقاومة إرهاب وكانت المأساة قد بدأت في أفغانستان ثم العراق.
لا شك أنهم بنوا حربهم على كذبة كبيرة تقوم على فكرة الحرب الاستباقية، أي أن يقوموا بضرب خصمهم قبل أن يضربهم وكلنا نذكر أحاديث المسؤولين الأميركيين والبريطانيين عن الخطر النووي العراقي ضدهم. ماذا كانت النتيجة.. ما بني على كذب هو كذب وما بني على باطل هو باطل، وكما كذبوا في العراق كذبوا في فلسطين بالنسبة لموضوع الانتخابات.
وما تلاها من محاولات تفشيل حكومة «حماس»، وكذلك في لبنان أوجدوا فوضى لا مثيل لها باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبتلفيق اتهامات كاذبة يريدون من خلالها توجيه التهمة إلى سوريا قبل انتهاء التحقيق، ونحن نقول إن الحكم هو التحقيق، فهؤلاء تجار حروب وتجار بترول وتجار شعارات مزيفة مهمتهم في هذه المنطقة حماية إسرائيل ولا شيء غير ذلك.
ـ وماذا عن التحركات السورية على جبهة الجولان؟ تحدثت بعض الصحف العربية وغير العربية قبل أيام عن إزالة بعض الحواجز في الجانب المحرر من الجولان وذهبت هذه الصحف إلى بناء استنتاجات تتعلق بإفساح السلطات السورية المجال أمام رجال المقاومة لتنفيذ عمليات عبر جبهة الجولان، ما صحة هذه الأخبار؟
ـ لا صحة مطلقاً لهذه المعلومات، ومثل هذه الأخبار هي دعايات إسرائيلية مغرضة لإيجاد ذرائع تبرر نواياها ومشاريعها العدوانية العسكرية وتهيئة المنطقة لحرب جديدة.
إسرائيل مجتمع عسكرتاري أي أن المجتمع في خدمة الجيش، وهي تمتلك أسلحة من مختلف الصنوف وبكميات خرافية، وهي التي تهدد السلام وتتهرب من استحقاقات التسوية. ولكن في ذات الوقت إن سوريا التي تتوق إلى إنجاز سلام شامل وعادل يضمن استعادة الجولان وباقي الأراضي العربية المحتلة، تستعد للدفاع عن نفسها وعن شعبها وسيادتها.
وليكن معلوماً أن الشعب السوري الذي انتظر 40 عاماً لن ينتظر إلى ما لا نهاية له، نحن الآن مازلنا في موضوع الحل عبر المفاوضات، ولكن في الوقت نفسه نحن قادرون على الدفاع عن بلادنا إذا تعرضنا لعدوان.
وكما أسلفت خطنا الاستراتيجي واضح، نحن لدينا أولويات سياسية على أساس استعادة الجولان كاملاً عبر التفاوض السلمي والوصول بمؤتمر مدريد إلى نهايته، وإن لم يكن فلكل حادث حديث.
ـ هناك أحاديث صحافية دائمة عن قنوات سرية ووسطاء من كل الصنوف، لماذا تعارض سوريا المفاوضات السرية إذا كانت تهدف إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي وهو استعادة الجولان؟
ـ سوريا ليست بحاجة إلى مفاوضات سرية، وليس من عادتها أن تقوم باتصالات أو مفاوضات سرية أو عبر أشخاص غير رسميين. سوريا تعلن للعالم أنها مستعدة لاستئناف مفاوضات السلام وحسب مبدأ مدريد وقرارات مجلس الأمن لإتمام عملية السلام، والسبب أن الحكومة السورية تتمتع بدعم شعبي عبر وحدة وطنية لم يشهدها تاريخ سوريا من أجل الحل السلمي العادل، فلماذا إذاً المفاوضات السرية طالما أن الشعب مع الحكم. ولذلك فإن سوريا تعلن دائماً أنها ليست من دعاة المفاوضات السرية ولا تؤمن بها ولم تجرها ولا تريد أن تجريها. نحن مع عملية سلام واضحة وتحت ضوء الشمس.
ـ كيف تنظرون إلى المنطقة بعد عام على حرب يوليو، هل تغيرت معادلة الصراع؟
ـ كما هو معروف، إن العدوان الهمجي الذي شنته إسرائيل على المقاومة الباسلة تم تبنيه من الإدارة الأميركية، وكانت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس هي التي تعلن وتقول إن الوقت لم يحن بعد لوقف إطلاق النار.
الحرب إذاً كانت أميركية إسرائيلية وخلال 33 يوماً أعطى الشعب اللبناني درساً للإدارة الأميركية ولإسرائيل مجتمعتين. لقد ضعضعت المقاومة حكومة أولمرت واستقال رئيس الأركان وأقيل وزير الدفاع.
لقد ضعضعت هذه الحرب العقيدة القتالية الإسرائيلية وحطمت نظرية الردع العسكري، وأن جيش الاحتلال لا يقهر. نحن وقفنا مع المقاومة ودعمناها سياسياً ومعنوياً وإعلامياً، وطالما أن هناك رجالا يقاومون لحماية الأرض والعرض فهم على حق. المقاومة في لبنان تقاوم من أجل استعادة ما تبقى من الأرض اللبنانية المحتلة وتحرير الأسرى وعلى رأسهم الأسير سمير القنطار، ولذلك هذه المقاومة على حق.
وبدون أدنى شك فقد تغيرت معادلة الصراع في المنطقة وتم إيلام إسرائيل ولي ذراعها، وبالتالي ذراع الولايات المتحدة نظراً للعلاقة العضوية بين القوة العسكرية الإسرائيلية والأميركية.
لقد جردت حرب يوليو وانتصار المقاومة اللبنانية فيها القوة العدوانية الإسرائيلية من هيبتها ومن عنصر الرعب من قوة الردع الإسرائيلي المتصل بقناة مباشرة بين تل أبيب وواشنطن.
ـ تعقد الآن اجتماعات بين الأطراف اللبنانية في سان كلو الفرنسية، كيف تنظر سوريا إلى هذه الاجتماعات؟
ـ «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». هذه الآية الكريمة تعبر عن الوضع اللبناني وإذا لم يستطع الأشقاء اللبنانيون الخروج بنتائج إيجابية للحوار فيما بينهم على الأرض اللبنانية فلن ينجحوا في ذلك على الأرض الفرنسية.
سوريا تعمل بجد لأن ترى الشعب اللبناني متفقاً متوافقاً يسود الوفاق علاقاته الداخلية، لأن لبنان الموحد الآمن القوي المعافى قوة لسوريا وأمان لها، أما لبنان المقسم المنهار الذي تتحكم فيه الوصايات الأجنبية الفرنسية والأميركية، فهو ما لا تريده سوريا.
ـ هل هناك جهود سورية لتقريب وجهات النظر بين الأشقاء الفلسطينيين بعد أحداث غزة؟
ـ سوريا عملت من أجل قيام حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وبنت «المداميك» الأولى لها في دمشق ورحبت جداً باتفاق مكة، وتم بناء حكومة الوحدة الوطنية، لكن مع الأسف تم تفشيلها وافتعال النزاع المسلح في غزة الذي لم يكن في مصلحة الفلسطينيين، ولذلك سوريا تجدد دعوتها للإخوة الفلسطينيين للعودة إلى طاولة الحوار والوفاق.
دمشق ـ تيسير أحمد