متابعة خطوط الموضة واللهث وراء آخر صيحاتها، ظاهرة ليست قاصرة على المجتمعات الغربية المعروفة بانفتاحها على كل ما هو جديد، ولكنها امتدت أيضاً لمجتمعاتنا الخليجية، حيث يدفع تراثنا فاتورة هذه الظاهرة باعتباره الخاسر الأكبر بعد عزوف كثير من الخليجيات عنه وتنحيته جانبا.
ومع صرخات الموضة التي تجد صداها في مجتمعاتنا، فان المحافظة على التراث تصبح ضرورة وطنية تتعدى نطاق الجهد الفردي. وفي هذا الإطار، تسعى كثير من الأمهات في المجتمع العماني جاهدة لبقاء صناعة البراقع التي أوشكت على الانقراض لعدة أسباب.
أهمها عزوف الفتيات من بنات جيل اليوم عن هذه المهنة العريقة سواء أكان كصناعة أم كملبس والاتجاه إلى بدائل الموضة العصرية التي تحتم على البعض عدم لبس البرقع أو استبداله بالخمار أو القناع النسائي كما ان هذه المهنة لم تسلم من غزو العمالة الوافدة لها التي لم تدع مهنة أو حرفه خليجية إلا وتشبثت بها.
وتعد البراقع من أساسيات ملحقات الأزياء النسائية خاصة منها البدوية في بعض دول الخليج العربي خصوصا منها سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة. عائشة حميد يقارب عمرها اليوم السبعين عاما .
وقد امتهنت صناعة البراقع منذ ان كان عمرها عشرين عاما وعرفت بين النساء في مجتمعها المحيط بإنتاجها المتميز للبراقع لدرجة أنها كانت أحيانا في الماضي لا توفي الطلبات في المناسبات كالأعياد نظرا لانشغالها بالأمور المنزلية وبعض المهن الأخرى التي كانت تمارسها كخياطة بعض الملابس النسائية.
طرق الصناعة
تبدأ عائشة صناعة البرقع بشراء قطعة قماشية غالبا ما تكون هندية الصنع مخصصة للبراقع وتسمى (شيلة أو خلجة البراقع) كانت قديما تأتي عن طريق سوق دبي فقط أما اليوم فهي متوفرة في معظم أسواق السلطنة والإمارات .
حيث ان الشيلة الواحدة تقص لصناعة 36 برقعاً وبعد تقسيم الشيلة إلى قطع صغيرة تبدأ عملية القص والتفصيل لصناعة البرقع التي تبدأ من فتحات العيون وخياطتها وخياطة دوائر وجوانب البرقع مع كسف (طيها) الأطراف إلى الداخل وخياطتها .
وخياطة قطعة قماشية شفافة من الداخل للبرقع تعرف بالبطانة لمنع وصول الحر أو الصبغات العطرية التقليدية إلى خلجة البرقع وتكون الخياطة بخيط اسود مائل للاخضرار ليتناسب مع لون البرقع اما الآن فالخياطة تتم بخيط ذهبي اللون.
أما المواد أو الإضافات التي تستخدم في صناعة البراقع فهي متعددة كما تقول عائشة ومن ذلك يأتي معمد الأنف (القصاب) ويكون من قطعة خشبية صغيرة يأتي بها من سعف النخيل وتقص إلى أعمدة تكون صغيرة بحسب مقاس كل برقع بحيث تعطي استقامة للبرقع أعلى الأنف اما الجوانب فتعمل لها كذلك عيدان خشبية رقيقة لاستقامة جوانب البرقع.
أما شبق البرقع (الخيط الذي يربط به البرقع بالرأس) فانه يكون من النسيج الذهبي المطرز والمخصص لربط البرقع مع الرأس في اللبس. وتشير عائشة حميد إلى ان بعض النساء يفضلن وضع إضافات من الذهب والفضة على البرقع بعد الانتهاء من تفصيله وخياطته عبارة عن صفائح رقيقه تكون على شكل نجوم ودوائر مزركشة (تسمى حروف).
وعادة ما تكون هذه الصفائح من ذهب عيار 18 أو 21 ويأخذ كل برقع عدد 24 صفيحة نجمية و12 صفيحة حروف من الذهب اما العمدان وهي مشابك ذات زركشة جمالية وهي توضع ما بين البرقع والشبق وتكون من الذهب أو الفضة.
وتستغرق عائشة في صناعة البرقع الواحد مع العمل المتواصل ساعة واحدة (بدون إضافات الذهب أو الفضة) وكانت تنتج قديما في اليوم الواحد أربعة براقع وأكثر اما اليوم حيث أخذت بها سنون العمر فلا تستطيع انتاج سوى برقع واحد فقط .
وكانت عائشة معروفة في قريتها (التي أصبحت اليوم حيا سكنيا) بجودة صناعتها في البراقع حيث يكثر الطلب معها من النساء ذوات القرابة خصوصا في المناسبات كالأعياد ومناسبات الأفراح ولذلك يكون إنتاجها مقتصرا في مجتمعها المحيط ومع زبائنها الدائمين.
ولحسن الحظ لم يتمكن التطور والتحديث في العالم من عائشة، فهي بدأت ولا تزال وستواصل مهنتها في صناعة البراقع بالطريقة التقليدية (اليدوية) وأدواتها التي عرفتها على مر السنين (الخيط - الابرة -المقص - صندوق التخزين) وتوضح عائشة انه بالرغم من وجود الماكينات اليوم الا ان الإنتاج التقليدي يبقى هو الأفضل والأجود.
قلق وعدم تقبل
تخشى عائشة اليوم من انقراض مهنة صناعة البراقع كليا إذ تشير إلى انه بدأ يظهر ذلك بشكل تدريجي وهي قلقة جدا فبنات اليوم كما تقول لا يلبسن البرقع ولا يرغبن في تعلم مهنة أمهاتهن ولو على الأقل من باب المعرفة بالشيء فقد أخذتهن عوامل الموضة العصرية والتطور والدراسة والعمل وطبعا كل ذلك جاء حائلا دون التعلم لكثير من مهن الأمهات.
وقد استعاضت بنات اليوم عن البرقع بالقناع أو الخمار فلا تجد اليوم هناك فتاه بين 15 و25 سنه من العمر تلبس البرقع أو حتى تفكر في ذلك بعكس ما كان قديما كما ان بعض النساء اللائي كن يلبسن البرقع أصبحن اليوم يلبسن مكانه القناع أو يضعن الخمار فهذه جميعها عوامل تبعث القلق في نفوسنا نحن الأمهات من غياب هذه المهنة التي عرفناها منذ القدم.
وأضافت أنا حاولت أن اعلم بعض بناتنا ولكن لم أجد من يتقبل أو حتى يصغي إلى كلامي. وتضيف عائشة التي تستهجن كثيرا غياب حرفتها التي رافقتها قرابة أربعين عاما ان من الأشياء التي يجب التوقف معها هي امتهان العمالة الوافدة لكثير من المهن
والحرف التقليدية والتي طبعا من ضمنها صناعة البراقع فهذا يعتبر عاملا مساعدا للأبناء على ترك مهن الآباء والأجداد بل يعتبر عاملا أساسيا فيجب ان يكون هناك تحديد لبعض المهن والحرف ومنع الأيدي الدخيلة من ممارستها.
مسقط ـ علي البادي