لا وجود لكلمة مستحيل في قاموسه، ولا مجال لليأس في حياته، يعيد إلى الأذهان إصرار عميد الأدب العربي طه حسين على التعلم رغم فقدانه نعمة البصر، ويترجم بصدق كلمات الشاعر أبى القاسم الشابي التي قال فيها: إذا الشعب يوما أراد الحياة... فلابد أن يستجيب القدر.

انه فؤاد حسون، اللبناني الكفيف، الذي تستحق تجربته الوقوف عندها، لأنه، رغم إصابته بالعمى، تمكّن من التغلب على هذه العاهة، وتابع دراسته ولم يتأقلم مع واقعه فقط، بل تغلب عليه، بحيث تمكن من أن يطوع التكنولوجيا وأنظمة الحاسوب لتتيح الفرصة لكل كفيف ومعوق ليحظى بفرصته في الدراسة والعمل والعيش حياة كريمة ليكون عنصراً منتجاً في المجتمع،لا عالة عليه.

لا حدود لطموح فؤاد حسون، فهو يسعى لتكون برامج الكمبيوتر التي طوعها في خدمة كل من حرمه القدر، أو الظروف من أن يحيا مثل الناس العاديين، ويبدي طموحاً للعمل في الشأن العام، لأنه يشعر بأنه يمكن أن يؤثر في حياة المكفوفين والمبصرين على حد سواء.

بدأت قصة كفاح حسون عندما أصيب بانفجار سيارة في بيروت في العام 1986، ما تسبب بفقدانه بصره بالكامل. وكان حينها في السابعة عشرة من عمره، ويدرس الطب في الجامعة اللبنانية. بعد الإصابة سافر في مباشرة لمتابعة دراسته في سويسرا ثم في فرنسا، ويعتبر نفسه محظوظاً .

لأنه تمكّن من متابعة حياته، رغم إصابته بالعمى، بعدما تعرّف إلى أشخاص ساعدوه على مواصلة تعليمه في أوروبا، حيث درس الاختصاصات التي كان يرغب في التخصص فيها ـ قبل أن يصاب ـ في مجالي الاقتصاد والكمبيوتر، كما درس الرياضيات التطبيقية، ثم التجارة الدولية، وحصل من بعدها على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد.

سعى حسون لتطوير حياته المهنية، فعمل كمسؤول في إحدى شركات خدمات الكمبيوتر في فرنسا اسمها «أونيلوغ»، ومن خلالها ابتكر فكرة شركته التي أسسها، والتي أطلق عليها اسم «ميديا لوغ»، وهي اختصار «ميدل إيست ديالوغ»، أو «الحوار الشرق أوسطي».

وبعد عشر سنوات من الغربة، عاد إلى بلده لبنان منذ ثلاث سنوات، حاملاً معه كل التقنيات الحديثة التي يستفيد منها عالم المكفوفين فيه.ويقول حسون إنه شعر، عندما قرر العودة أنه أخذ كثيراً من الحياة، كمكفوف، وآن لغيره ممن يعانون مصابه الاستفادة مما استفاد هو منه.

لهذا قرر أن ينقل خبرته وعلومه إلى البيئة التي ولد فيها في لبنان وفي العالم العربي.ولتسهيل التواصل مع الناس في بيئته عمد إلى تلقي دروس عليا في الترجمة الفورية في فرنسا من الفرنسية إلى العربية، من أجل تقوية لغته الأم.

برامج للمكفوفين وضعاف البصر

أما ما تقدمه شركته، التي قال إنها تبغي الربح، أنها طورت برامج للمكفوفين وضعاف البصر، ومن ثم لأصحاب الإعاقات الأخرى، بما يجعلهم يتعاطون مع الكمبيوتر مثلهم مثل غيرهم من الناس العاديين بحيث يمكنهم العمل على كل تطبيقات «المايكروسوفت» مثل «الأوفيس»، «باوربوينت»، «إنترنت إيكسبلورر» وكل برامج «الويندوز»، ما عدا البرامج المتعلقة تلك بالصور والرسم، التي لا يمكن للكفيف العمل عليها.

وقال إن برامجه تتيح للكفيف أن يصبح مبرمجا أو مهندس كمبيوتر وغيرها، مشيراً إلى أن شركته قامت بتعريب أفضل برامج الكمبيوتر في الغرب، ولم يكتفوا بذلك إذ حسّنوا فيها لكي تصبح مطابقة «لحاجاتنا كعرب، من ناحية اللغة والكتابة من اليمين إلى الشمال، وحتى الغرب استفاد منها».

وأضاف أن شركته عقدت اتفاق شراكة مع شركة أميركية رائدة في هذا المجال اسمها «فريدوم سيانتيفيك»، صارت «ميديا لوغ» بموجبه أحد أهم مختبرات لتطوير برامج الشركة الأميركية من أجل تطبيق نظام «البايلينغ ويل»، الذي يتيح القراءة بلغتين.

وبالإضافة إلى التجارب التي جاء بها إلى لبنان والعالم العربي، يقول حسون بثقة، إنه أتى بنفسه، بمعنى أنه تجربة بحد ذاتها، وما تمكن من القيام به ككفيف، يمكن توظيفها في خدمة مجتمعاتنا «لأني شعرت أن وجودي يمكن أن يغير في أشياء كثيرة على المستوى التقني.. وحتى المعنوي لكي يتوسع مشروعي لإفادة الناس».

يعيش حسون في ضاحية الأشرفية شرق العاصمة بيروت مع زوجته الفرنسية ليتيسيا، التي تزوجها قبل ست سنوات، وتقوم بدور عينيه في كثير من الأمور، ويدير شركته التي يعمل فيها 15 موظفاً، ويتعاون في عمله مع الوزارات المختصة والمنظمات غير الربحية «أن جي أو» والجمعيات والمدارس وهيئة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا».

من أجل إدخال برامج المكفوفين والمعوقين في أنظمتها التعليمية ومدارسها، إضافة إلى التعاون أخيراً مع وزارة المعارف في المملكة العربية السعودية وفي تونس والجزائر وفي كثير من بلدان العالم العربي، من أجل إقامة دورات خاصة بالمكفوفين لإدخالهم في مجالات تعليمية لم تكن متاحة بالنسبة إليهم.

هدف الشركة وطموحها في المستقبل، كما يقول صاحبها، هو تمكين الكفيف في العالم العربي من استخدام التكنولوجيا، من أجل التسلح بالعلم وأن يصبح عضواً منتجاً، من دون أن تعيق إعاقته تطوره وصوله إلى هذا الهدف، من خلال منحه القدرة على الاستقلال وتقليل الاعتماد على الآخرين في حياته ومستقبله، بما يخفف العبء على عائلته وبيئته ومجتمعه.

معتبراً أن الإعاقة يمكن أن تكون حافزاً ومصدر قوة، أكثر منها مصدر ضعف في هذا المجال.وقال إنه يسعى لأن تكون التكنولوجيا متوفرة للمكفوفين لكي يتمكن أحدهم من العمل في أي مجال من سكرتارية وهندسة ومحاماة وغيرها من الاختصاصات، لا أن تكون حكراً على المتفوقين والموهوبين والمبصرين.

وأن «نوفر التقنيات الحديثة، الموجودة في كل بيت في كل حقيبة وفي كل جيبه، لهذه الشريحة من الناس، من خلال تطبيقات معينة. فالهاتف النقال على سبيل المثال، أدخلنا عليه تطبيقات تتيح للكفيف استخدامه مثله مثل المبصر، وحتى أكثر، وقد أجرينا إحصاءات بيّنت أن الكفيف يستخدم ما يحتويه الهاتف من تقنيات أكثر من الناس الآخرين».

العمل في الشأن العام

إلى جانب شغف حسون بالعمل على التقنيات الخاصة بالمكفوفين والمعوقين، لديه طموح الانغماس أكثر في العمل بالشأن العام، معتبراً أنه يحمل رسالة يقدمها من خلال تجربته ليخدم مجتمعه. وعما إذا كان يمكن أن يترجم ذلك من خلال مقعد نيابي أو إدارة عامة أو وزارة، قال إنه لن يمانع، لكنه يرفض أن يخوض غمار السياسة بوضعها حالياً في لبنان.

كما يرفض أن يكون محسوباً على أحد من الزعماء، أو الأطراف السياسية المتخاصمة، معتبراً أن لبنان فريد ولا يقدّره بعض أبنائه حق قدره، بعكس من هم خارجه.وبما أن حسون تمكن من تغيير الكثير من الأمور في بيئته، فإنه يشعر أنه قادر أن يؤثر إيجابياً على سواه.

وهذا التأثير ليس محصوراً بالمكفوفين، بل ينطبق على المبصرين أيضاً، ويرغب أن يعيش لبنان مستقلاً عن غيره من البلدان مثلما عاش هو مستقلاً على الرغم من إعاقته.ويعمل حسون حالياً في الشأن العام من خلال جمعية هو عضو مؤسس فيها وتحمل اسم «لبنان الرسالة»، والتي تضم أعضاءً نواباً فرنسيين وسياسيين وناشطين لبنانيين.

بيروت ـ سهيل شهاب