نفى وزير الدولة السوداني الدكتور عبد الرحمن موسى، أن يكون السودان قد اكره على الموافقة على اتفاق نشر القوات المختلطة «الدولية الإفريقية» أو «الهجين» في دارفور. وقال إن الاتفاق جاء نتيجة حوار طويل. وطالب في حوار مع« البيان» خلال زيارته إلى دبي أخيراً المجتمع الدولي الوفاء بالتزاماته في اتفاق ابوجا للسلام، الذي شارك الوزير السوداني والمتمرد السابق في توقيعه ممثلا لحركة تحرير السودان الإرادة الحرة.
مشيراً إلى أن هذا الاتفاق« نص جيد» شريطة تنفيذه« بشكل جيد» أيضا. واعترف، بخطأ تجاهل حركات التمرد اللجوء إلى الدول العربية في أزمة دارفور واعتبارها «عدواً». في بداية الحوار قال الوزير السوداني إن بلاده لم تكره على الموافقة على نشر القوات المختلطة في دارفور، لأن الاتفاق الأخير في اديس ابابا على هذا الأمر جاء بعد حوار طويل بشأن كيفية المساعدة في حفظ الأمن في الإقليم .
والحقيقة أن قوات الاتحاد الإفريقي والاتحاد كمنظمة سياسية لا يملك الأموال اللازمة ولا الإمكانات اللوجستية لقيام بمهمتها في دارفور وهو ما أوضحه الاتحاد الإفريقي للسودان مرارا. كما أن الدولة تريد في الوقت الراهن الحفاظ على سيادتها وألا يتم التدخل في شؤونها الداخلية، لأن القرار الدولي رقم 1706 يتضمن كثير من الإجراءات التي تنال من سيادة السودان وبالذات في ما يتعلق بالجانب القضائي، والقيام بعمليات لمتابعة أفراد وجماعات داخل السودان .
وقد رفضت الدولة القرار جملة وتفصيلا. وأشار إلى أن النزاع في دارفور لم يعد بين الحكومة والحركات، لأنه ليست هناك حركات تحارب الحكومة فعليا وإنما بيانات وحديث عن تصعيد القتال لكن ذلك غير صحيح. هناك عنف قبلي وقائد القوات الإفريقية في دارفور قدم في اجتماع اللجنة المشتركة لوقف إطلاق النار، الممثل فيها الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العرابية والاتحاد الإفريقي وليبيا ومصر، تقريرا أشار إلى وجود عنف قبلي متصاعد في دارفور وانه بالمقدور السيطرة عليه عبر الأعراف المحلية وآليات الصلح التقليدية.
وعن دور حركات التمرد التي وقعت على اتفاق السلام في استتباب الأمن في دارفور قال «اعتقد أن هناك تقصيرا لأن قوات تلك الحركات الموجودة على الأرض يجب إسناد ادوار لها عبر الإسراع في دمجها في القوات النظامية وإعطائها ادوارا في تأمين الطرق والقرى تمهيدا لعودة النازحين إلى قراهم».
* لكن ماذا يمنع الحركات الموقعة على اتفاق السلام من القيام بمثل هذه الأدوار؟
يجيب الوزير السوداني : ملف الترتيبات الأمنية لا تنفذه الحركات وحدها وأنا يتم بالتضامن مع الاتحاد الإفريقي وحكومة السودان. والاتحاد الإفريقي يتعلل حتى الآن بعدم امتلاكه القوات والإمكانات الكافية للقيام بهذا العمل. ومن جانب آخر فإن المجتمع الدولي الذي أعطى وعودا سخية في اتفاق ابوجا بمد قوات الحركات بالمعونات اللوجستية العسكرية لم يف بهذه التعهدات.
*وكيف تنظرون إلى الموقف الأميركي الذي يلوح بمنطقة حظر جوي في دارفور وتعزيز العقوبات على السودان؟
- هذا الموقف لا يخدم القضية ، فقد وافقت الحكومة السودانية عبر الحوار على نشر القوات المختلطة. كما أن الموقف الأمني تحسن كثيرا في دارفور. واعتقد أن المزيد من الحوار وإبداء حسن النية بدلا من التهديد بالعقوبات التي تضر بالجميع ، هما السبيل الأمثل لحل المشاكل.
* يتحدث المسؤولون السودانيون كثيرا عن وجود أجندة خفية للولايات المتحدة في دارفور ما هي تلك الأجندة؟
- قضية دارفور للأسف جرى تدويلها وأصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياسة الداخلية سواء في أميركا أو فرنسا أو في دول الاتحاد الأوروبي عموما. وهذا قطعا ليس في مصلحة أهل دارفور، وليست مفيدة في حل أزمة دارفور، وهؤلاء يجهلون المعطيات الحقيقية للوضع .
وقبل أيام شاهدت حوارا بين مجموعة من المثقفين على القناة الخامسة الفرنسة صنف فيه الصحافي الفرنسي هنري ليفي الصراع في دارفور على انه ليس بين جيشين وإنما بين حكومة تقمع شعبها، واعتقد أن هذه الرؤية يجافيها الصواب. فما يحدث في دارفور تمزق في المجتمع وتشظ لحركات( التمرد) وعدم فهم الحركات نفسها للقضية. وبالتالي دخلت الأجندة القبلية والمصالح الشخصية في الصراع والأمر في غاية التعقيد.
* انتم في حركة تحرير السودان الإرادة الحرة اخترتم التوقيع على اتفاق ابوجا ما هي الدوافع وهل حصلت على ما كنتم تسعون إليه؟
- الدافع الحقيقي، هو حقن الدماء في دارفور ، كما أن القراءة المنطقية للوضع في ذلك الوقت، كانت تقول إن الاتحاد الإفريقي عرض مقترحاته وان لم تكن مرضية بالنسبة لنا 100% لكن في أي تفاوض لا تحصل على كل ما تريده .ومن جهة ثانية ما هي الخيارات التي كانت أمامنا والقوات الحكومية على الأرض أصبح لها الغلبة في الأيام الأخيرة قبل التوقيع على الاتفاق، والاخوة في جناح مني مناوي كانوا يعرفون ذلك لأن الوطأة كانت عليهم .
أما بالنسبة لما حصلنا عليه أقول انه عندما تم تقاسم السلطة أصبح عدد الفصائل الموقعة كبيرا وكما يقال الكعكة صغيرة فكان لابد أن نرتضي بالأنصبة الضئيلة التي جاءتنا. لكن يجب أن نستحضر أن كل هذه المناصب وكل هذه الترتيبات هي في مرحلة انتقالية والمهم أن نقوم بعمل جماهيري مع الأهل في دارفور ثم التوجه إلى الانتخابات في نهاية الفترة الانتقالية.
* طرحت فرنسا عقد مؤتمر دولي في باريس (يعقد الاثنين المقبل) بشأن دارفور لكن الحكومة السودانية رفضته رسميا لماذا هذا الرفض؟.
- هل تريد أن أرد على السؤال كحركة تحرير السودان الإرادة الحرة أم كوزير في الحكومة؟
* كوزير ومشارك في السلطة أولا وكممثل للإرادة الحرة ثانيا؟
- بوصفي شريكا في حكومة الوحدة الوطنية، أقول إن هذه الحكومة تتخذ قراراتها بتجانس لا شك في ذلك، وهناك استشارات ونحن في الحكومة نرى أن المبادرة لم نستشر فيها . وثانيا هناك مبادرات أخرى وتعدد هذه المبادرات غير مفيد على الإطلاق.
لكن الحكومة لم تقل إنها ستقاطع هذا المؤتمر ووقتها لكل حادث حديث. وإذا ما أجبت عن السؤال كحرة الإرادة الحرة أقول انه يجب إلا نغيب عن الساحة وأنا أسعى للمشاركة لكن بوصفي من الإرادة الحرة وعلى هامش المؤتمر لإسماع رأي الحركات الموقعة على اتفاق سلام دارفور.
* الحكومة السودانية ترفض تسليم المتهمين بارتكاب جرائم في دارفور إلى المحكمة الدولية، هل لا تزال على هذا الموقف أم نرى تراجعا في النهاية؟
- الموقف ثابت وهو ألا يحاكم سوداني خارج الأراضي السودانية لأن ذلك يمس بسيادة القضاء السوداني. واعتقد أن قضاءنا قادر على القيام بمهمته.
* ما هو تعليقكم على الموقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص مما يجري في دارفور؟
- عموما أنا أقول نحن في الحركات ارتكبنا خطأ لأننا لم نخاطب الدول العربية بل اعتبرناها عدوا لنا . وأقول بصراحة إن الاخوة في الحركات(المتمردة) كانوا يشعرون عندما كانت الطائرات تقصف جبل مرة انه كان لمصر يد في ذلك وليس عندي معلومات تؤكد ذلك .
ولكن ليس من مصلحتنا على الإطلاق ان نفقد بعدا استراتيجيا مهم كمصر والدول العربية الأخرى. وبهذه المناسبة أود شكر الدول العربية مثل السعودية والإمارات وقطر التي شكلت منظماتها غير الحكومية جسورا لمساعدة أهل دارفور وان كان المطلوب دون الطموح.
وبالنسبة لمصر فقد كان لها دور فعال في ابوجا وسعدت بلقاء الدبلوماسيين المصريين، سواء الذين كانوا باسم مصر أو جامعة الدول العربية، وهؤلاء كان لهم دور فعال وبناء. واعتقد مع تثمين دور مصر يجب حثها على تقديم المزيد وان تستثمر دورها الإقليمي في حض دول الشمال الإفريقي على لعب دور أكثر فعالية.
استراتيجية المجتمع
خلال زيارته دبي التقى د. عبد الرحمن موسى أبناء الجالية السودانية في إطار ما سماه تبصيرهم بمحتوى الخطة الاستراتيجية الربع قرنية في السودان. ووصف هذه الخطة بأنها رؤية تستشرف المستقبل بتفاؤل. وهي استراتيجية الدولة والمجتمع وليست استراتيجية حكومة الوحدة الوطنية. مشيراً إلى مشاركة كافة ألوان الطيف السياسي في إعداد وصياغة تلك الخطة.
حوار: طلعت إسماعيل