يعتمد المسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، ما يمكن تسميته بـ «مبدأ كراوثامر» نسبة إلى تشارلز كراوثامر احد منظري المحافظين الجدد بأبسط وأوقح أشكاله في لوم العراقيين، ابتداء من القادة ووصولاً إلى الناس العاديين، على الفوضى الحاصلة هناك وقولهم، إننا «أعطيناكم الحرية، ولكنكم أوصلتم الأمور إلى الفوضى».

وقام سياسيو بوش، بالمقابل، وأولهم وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد والمحافظون الجدد الذين قوى بوش شوكتهم وآمن بهم، بإعطاء الشعب العراقي واجهة من المؤسسات الديمقراطية المفروضة على مجتمع رمى به بوش في الفوضى وتركه فيها.

ولم يتكفل ذلك بإرساء نظام سياسي ديمقراطي مستقر، وإنما أدى إلى العكس تماماً. وعلق الشعب العراقي وفصائله السياسية (لا يمكن أن نطلق عليها اسم أحزاب بحسب المفهوم الديمقراطي الغربي) بفخ نظام يضمن الانقسام والضعف.

وراقبنا من خلال هذه المقالات الصحافية على مدى 18 شهراً، كيف أنه في اللحظة نفسها التي انهار فيها العراق في صراع مذهبي بين الشيعة والسنة والأكراد ووصل إلى «نقطة اللاعودة»، احتفل المحافظون الجدد وحلفاؤهم بالديمقراطية الفورية في كل الشرق الأوسط، وبالنصر في الانتخابات البرلمانية في العراق في العام 2005.

وفقا لهذه المقالات كان من المفترض بهذه الانتخابات أن تطهر المجتمع السني من مختلف أنواع المسلحين، ولكن ما حصل كان عكس ذلك تماماً. وانتشر الدعم للسنة المتمردين أكثر مما كان عليه، وأتت ردة فعل الشيعة بالتجمع حول ميليشياتها الخاصة.

وحصل بالنتيجة، ما قمنا بالتحذير منه تكراراً في مقالاتنا السابقة، وما تؤكده الآن بوضوح تقديرات المخابرات الأميركية، أن نوعية المؤسسات الحكومية العراقية وقواتها المسلحة لا تزال أقل من المستوى المطلوب. وعلى منوال مبدأ تشارلز كراو ثامر. ليس من الصعب إيجاد كوادر للشرطة العراقية والقوات المسلحة تستطيع القيام بالتدريبات العسكرية وإثارة إعجاب الزائرين من الكونغرس، على الرغم من أن الاعتماد على هذه القوات في مواجهة الميليشيات ما زال غير ممكن.

وكررنا في هذه الأثناء، أن الحكومة العراقية هي حكومة وطنية بالاسم فقط.وليس ذلك خطأ رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي قام بواجباته على أفضل ما هو ممكن في هذه الظروف الصعبة، وإنما يجب أن يقع اللوم على هؤلاء الذين ينتقدون الآن العراقيين، الذين أفسدوا «هبة الحرية» المقدمة إليهم.

وتُظهر الجهود المستمرة من قبل الحكومة الأميركية وقواتها المسلحة ومسؤوليها السياسيين في الشرق الأوسط للضغط على المالكي من اجل التوصل إلى تسويات مع الجماعات السنية، الفشل المستمر في فهم الحقائق السياسية في المنطقة.

فالمالكي لا يقود حكومة وطنية، بل تعتمد حكومته على الدعم الناتج عن الانقسام المذهبي في البرلمان العراقي، الذي سيؤدي إلى سقوطه في حال رضخ للضغوطات الأميركية وقدم تنازلات للسنة، خصوصاً في موضوع المشاركة في عائدات النفط.

وحتى إذا اتخذ المالكي قراراً بشكل ما للقيام بهذه الخطوات، فإنه ليس في موقع يسمح له بتطبيقها لاحقاً، بسبب تدني معايير الأمن في وزارته نفسها، كما لا تستطيع القوات المسلحة العراقية ضمان ذلك. ويبدو أن الأوان فات، لحصول معجزة تؤدي إلى تقسيم عائدات النفط بشكل عادل، فالانقسام في المجتمع العراقي أصبح..راسخاً.