كان وسيلة الإعلام الأولى التي تفاهم بها مجتمعهم البدوي، ومثل إعلانا للحرب والصلح والكوارث والأفراح والأحزان، وتشكلت على قرعة أهم خيوط حضاراتهم القديمة. انه الطبل الذي احتفى الموريتانيون بآلاته من خلال إنشاء متحف خاص لها في مدينة النعمة (1200 كيلومتر) شرق العاصمة نواكشوط.

فموريتانيا التي خاضت بالأمس القريب تجربة ديمقراطية ناجحة عبر اختيار رئيس جديد لها بالاقتراع المباشر، تحرص اليوم على التمسك بموروثها التقليدي حيث يشكل الطبل جزءا من هذا الموروث الذي لم تنحيه الآلات العصرية جانبا.

ويضم المتحف وهو عبارة عن مبنى نموذجي من مباني النعمة القديمة، عددا من الغرف وممرا طويلا هو مدخل المنزل ويدعى «كتو» يقف فيه الزائر مناديا بالسلام، إذا أجابه رجل دخل وإلا فإن في المنزل نساء فقط وعندها يرجع.

ويوجد بهذه الغرف بالإضافة إلى «الرزام» كثير من آلات الموسيقى كالتيدنيت وآردين وطبل «دقداقة» الذي تضربه النسوة للرقص والغناء، حيث تدعى هذه الغرفة غرفة «دقداقه» وتشارك فيه فئات مختلفة من الشعب، هذا بالإضافة إلى آلات النيفاره والأدوات التراثية والأواني القديمة كالشموع الزيتية أو الشحمية وهي عبارة عن قناديل مكونة من الشحم وفتيلة من القماش تضيء المنزل طوال الليل.

واذا كان الطبل الموريتاني قد ظل لقرون طويلة وسيلة الإعلام الأولى التي يتفاهم بها المجتمع البدوي الشنقيطي القديم، فقد ظل محتفظا بخصوصيات إيقاعية لا غنى للموسيقى عنها. ورغم اندثار عشرات الآلات الموسيقية والاستعاضة عنها بآلات حديثة أخرى تؤدي نفس الدور، بقي الطبل محتفظا بمكانته الموسيقية رغم تعاقب الأجيال.

فالموريتانيون مجتمع بدوي أصيل خلدوا على وقع الطبول أمجادهم وأناطوا بالطبل أكثر من دور، وعزز الموروث الشعبي علاقة المجتمع بالطبل فجعلها ثنائية تنتظم خلالها علاقة فئات المجتمع الموريتاني بعضها مع البعض.

كما جعل المجتمع الطبل وسيلة إعلانية تساهم بشكل فعال في إيصال الجديد إلى أكبر قدر من الناس سواء كان قرارا للحرب أو السلم أو إعلانا عن فقدان ضالة أو رجوع أخرى كما كان الأداة الوحيدة لإبلاغ قرار الرحيل إلى عموم الظاعنين إلى مواطن الكلأ والعشب. وقد رمز الطبل قديما إلى السيادة والنفوذ في تاريخ المجتمع الموريتاني.

نواكشوط ـ بشير ولد ببانه