تعاقبت الصحف الإسرائيلية أمس على سرد رواية سيطرة «حماس» على قطاع غزة، في أسلوب لا يخلو من الدس، رغم اعتماد هذه الصحف على مصادر الاحتلال الاستخبارية، ومصادر فلسطينية آثرت الصحف، كعادتها على عدم كشفها.
وابرز فصولها هي تلك النقمة على الرئيس محمود عباس «أبومازن» الذي تردد كثيراً في إصدار الأوامر لأكثر من 30 ألف رجل أمن بالدخول في المعركة ضد «حماس»، بينما توجهت أصابع الاتهام بالتقصير أيضاً إلى مستشار الأمن القومي محمد دحلان، المطلوب الأول ل«حماس».
الرواية أتت على النحو التالي نصا: في يوم الأربعاء صباحا، اليوم السادس من الحرب الأهلية الفلسطينية، حيث بلغ عدد القتلى في غزة 90 قتيلا والى جانبهم 240 جريحا، اتصل أبو مازن بخالد مشعل في دمشق طالبا البحث معه في اقتراح لوقف إطلاق النار.
مشعل صمت قليلا، ثم قال له بلهجة اعتذارية: لم أقبل الاقتراح، سأستوضح الأمر وأُعلمك. أبو مازن رفع السماعة مرة أخرى واتصل مع غزة طالبا إسماعيل هنية. هنية أيضاً تملص من إعطاء الجواب. مساعدو أبو مازن استشاطوا غضبا: هم كاذبون، الجنرال حامد برهان، رئيس الوفد الأمني المصري تحادث معهم، إلا أنهم لا يرغبون في وقف إطلاق النار على ما يبدو، هم يريدون كسب الوقت.
التقارير التي تواردت إلى ديوان أبو مازن في المقاطعة في رام الله لم تكن مشجعة. منطقة كاملة في شمالي القطاع وحي آخر أصبحت في يد حماس. عدد القتلى والجرحى آخذ في التزايد. قادة فتح طالبوا أبو مازن، القائد الأعلى للجيش الفلسطيني، بأن يخلع قفازاته وأن يسمح لقوات الأمن الوطني (30 ألف مسلح) بالخروج من المعسكرات والانضمام إلى المعركة ضد حماس. وتساءل هؤلاء القادة مستغربين: لماذا لم يصدر الأمر؟.
لاحقا، ومثلما حدث منذ انتصار حماس، تصرف أبو مازن بتردد مُتبعا خطا غير حازم ومفضلا الجلوس على الجدار. في الوقت الذي كانت غزة تغرق بدماء الحرب الأهلية، تصاعدت أصوات الاستغاثة من مواقع فتح: دخيل الله، أين أبو مازن؟، هذه النداءات تمخضت فقط عن التصريحات والكلمات، ونداؤه عبر التلفاز الفلسطيني: أنا لا أتهم أي أحد، ولكن من يقتل فلسطينيا لن يُغفر له.
حتى عندما أمطر أتباع حماس مكتبه في غزة بالراجمات والقذائف وأطلقوا صواريخ الـ آر.بي.جي على منزله وحفروا الأنفاق الناسفة لاغتياله، واصل أبو مازن التخيل بأن ذلك مجرد مطر وغرق في وهم كيفية رأب الصدع العميق بين الحركتين.
خيرة جنوده الذين اجتازوا تدريبات لدى الأوروبيين بإشراف أميركا، ظلوا جالسين عاطلين عن العمل. هو اعتقد، أو رغب في الاعتقاد، بأن مكالمة أخرى مع مشعل وبعض الضغط على هنية سيتمخض عن وقف لإطلاق النار.
المكالمات الهاتفية بدأت تتدفق إلى مكتب رجل فتح الكبير في رام الله بعد وقت قليل من الساعة الواحدة من ظهر أول من أمس. رجاله في غزة طلبوا المشورة في كيفية التصرف. نشطاء حماس مسلحون حاصروا القيادة التي تمترسوا فيها والنار حولهم أخذت في الاحتدام: هل يستسلمون لحماس ام يواصلون القتال حتى الموت، سألوا المسؤول من رام الله، وهو ثعلب سياسي قديم، كان حذرا في رده.
وقال لمحادثه الغزي: أنت القائد في المنطقة افعل كما تفهم. يبدو انه في مرحلة معينة طلب القائد الغزي الحديث مع أبو مازن كي يتلقى منه المصادقة على الاستسلام بعدما أخذت الذخيرة في القيادة بالنفاد.
ولكن في الوقت الذي احتلت فيه حماس غزة، كان عباس منشغلا في الجلسة مع قيادة منظمة التحرير في رام الله في مسألة اذا ما كان سيعلن ومتى عن حالة طوارئ في المناطق. وشرح المسؤول الكبير من فتح قائلا: الرئيس في الاجتماع الآن. أعرف أن وضعكَ صعب. حاول أن تصمد أكثر قليلا.
وبعد بضع دقائق جاءت مكالمة هاتفية أخرى من غزة. هذه المرة، المسؤول الكبير من رام الله فهم ان الوضع انتهى. وبصوت هادئ شرح لمرؤوسه الغزي: «اذا كنتم ستستسلمون فلا تسمحوا لهم بأخذ الأسلحة. اجمعوا قذائف الـ ار.بي.جي وبنادق الكلاشينكوف في القبو واحرقوا كل الطوابق وفي النهاية القبو والسيارات أيضاً. وعندما تستسلمون لا توافقوا على نزع ملابسكم.
وتمكنت القيادة الغزية من الصمود حتى ساعات ما بعد الظهر. وعندها، بعدما أصبح عدد الجثث والجرحى في المكان أكثر من عدد المقاتلين، قرر القائد الغزي الاستسلام. عندما فهم كبار مسؤولي فتح في رام الله ان المعركة في غزة انتهت، وجه بعضهم إصبع الاتهام إلى محمد دحلان ورجاله. وقال أحد خصومه السياسيين في فتح بعدما عرف أن دحلان عاد أول من أمس من القاهرة إلى رام الله: عليه أن يستقيل.
القدس المحتلة ـ «البيان»