لم تكن مفاجأة العقوبات الأميركية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج بوش على السودان الأربعاء الماضي، إذ كان مقررا أن يعلنها بوش في خطاب ألقاه في متحف الهولوكوست (مذبحة اليهود على أيدي النازية في ألمانيا في أربعينات القرن العشرين) في 18 أبريل الماضي، لكنه أجل ذلك تلبية لطلب من الأمين العام للأمم المتحدة، لمنح الجهود الدبلوماسية مزيدا من الوقت.
لكن العقوبات الجديدة التي وصفها خبراء في واشنطن بـ «الخطة بي» لدارفور أثارت الكثير من التساؤلات في أوساط المراقبين والمتابعين في واشنطن للأزمة، حول توقيتها وأهدافها، وما إن كانت ستساعد على حل الأزمة أم تزيدها تعقيدا، إذ تساءلت بعض الأوساط عن السبب وراء عدم إعطاء الوقت الكافي الذي طلبه الأمين العام للأمم المتحدة لبذل الجهود الدبلوماسية، وعن إعلانها في الوقت الذي تبذل فيه جهود عربية وإفريقية وأوروبية لحل الأزمة.
وأشارت مصادر لـ «البيان» في تعليقها على العقوبات الجديدة متسائلة «عن مغزى إعلانها قبل يوم من توجه وفد للأمم المتحدة برئاسة بيكا هافستو الممثل السابق للاتحاد الأوروبي بخصوص السودان إلى دارفور والدول المجاورة لتقويم إمكانية بدء محادثات سلام لإنهاء الصراع؟».
وعلق هافستو على العقوبات بقوله إنها «تهدف إلى زيادة الضغوط، لكن الحل لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال المفاوضات وما يجري في دارفور، مثله مثل معظم الصراعات الأخرى، لا يوجد جانب واحد يتحمل اللوم وحده».
وتساءلت المصادر عما إذا كانت القوى التي تدفع باتجاه التصعيد وتشديد الضغط والعقوبات على السودان وتفكيكه وراء ذلك؟. ومن المعروف أن القوى الرئيسية هذه هي: متحف الهولوكوست (المحرقة النازية لليهود)، والمسيحيون المتطرفون، وتجمع النواب السود في الكونغرس الأميركي.
وتساءلت بعض الأوساط عما إذا كانت العقوبات تأتي في إطار التنافس المحموم بين الولايات المتحدة والصين في القارة الإفريقية، أكثر من الحرص على حل الأزمة، خصوصا على الثروات الطبيعية فيها وأولها النفط، لأن المستهدف الرئيسي بعد السودان هو الصين، لكونها، عبر شركاتها واستثماراتها تعد البلد الأول في التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري مع السودان.
ومن هنا جاء الرفض الصيني للعقوبات، ودفاع مندوب الصين لدى الأمم المتحدة عن استثمارات بلاده في السودان وقوله «إن العقوبات تزيد الأزمة تعقيدا، بينما الاستثمارات في السودان من شأنها أن تساهم في حل الأزمة».
وتتوقع واشنطن معارضة قوية من الصين لجهودها التي بدأتها لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي لفرض المزيد من العقوبات ومنها إقامة منطقة حظر الطيران العسكري للحكومة السودانية في أجواء دارفور على غرار ما تم فرضه على العراق قبل غزوه واحتلاله، وتستعد واشنطن لمواجهة احتمال أن تستخدم الصين حق الفيتو للحيلولة دون صدور قرار جديد.
ومن ذلك كما قالت مصادر أميركية لـ «البيان»، «استخدام دورة الألعاب الأولمبية المقبلة التي ستقام في الصين ورقة ضغط لمنعها من استخدام (الفيتو). وإذا لم تنجح، واستخدمت الفيتو، تفكر الإدارة في القيام بمثل ما قامت به الولايات المتحدة في كوسوفو في تسعينات القرن الماضي لحماية المسلمين من المجازر والإبادة التي كان يقوم بها الصرب ضدهم.
حيث تجاوزت إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون مجلس الأمن الدولي، وتم اللجوء لحلف الناتو، وتم استخدام قواته لإنهاء عمليات القتل والإبادة هناك، يذكر في هذا الخصوص أن مجلس النواب الأميركي وافق قبل أسبوعين على تعديل في ميزانية الدفاع الأميركية لتطوير مطار إبشي في تشاد بالقرب من الحدود مع السودان، ليصبح قاعدة عسكرية جوية قادرة على استيعاب العمليات العسكرية المتوقعة لحلف الناتو.
وشن السفير السوداني في واشنطن جون أوكيك هجوما وانتقادا عنيفا على العقوبات الجديدة، وقال في مؤتمر صحافي في واشنطن الخميس الماضي: إن العقوبات لن تعقّد المشكلة فحسب، وإنما ستؤثر على اتفاقية السلام في الجنوب التي وقعت قبل سنتين. والعقوبات محاولة للتغطية على فشل الإدارة في العراق. وإن العقوبات لن ثؤثر على كبار المسؤولين والأغنياء وإنما على الشعب السوداني.
وقال أوكيك إنه «كان إلى جانب الأميركيين قبل حوالي سنتين، وحارب في الجنوب ضد الحكومة السودانية، وكنا نتلقى السلاح من الأميركيين»، وقال إن «العقوبات وما تقوم به الإدارة لن يحل الأزمة، وستؤثر على الجنوب وليس الشمال فقط، وهذا سيؤدي إلى تقسيم السودان. وإن التصعيد والعقوبات تريده قوى وجهات لاتريد السلام، واقترح السفير السوداني سحب العقوبات، والدعوة إلى «اجتماع في واشنطن بين الحكومة السودانية والمعارضين».
واشنطن ـ محمد صادق