لا تزال الحرب ضد الإرهاب مستمرة بل ومتصاعدة، ولم تعد ساحة المعركة هي ميادين القتال في أفغانستان أو العراق ولا أوروبا وأميركا.. بل امتد الصراع إلى ميدان الأفكار. وفي الآونة الأخيرة نشر المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما ـ صاحب كتاب ـ «نهاية التاريخ» مقالاً مهماً في مجلة «نيوزويك» ركز فيه على ما وصفه بالإسلام الراديكالي أو المسلح أو «الفاشية الإسلامية» باعتبارها تهديداً خطيراً ينبغي مواجهته وهزيمته. ويعكس مقال فوكوياما حالة من الاشتباك العنيف والمخاوف البالغة التي تسيطر على الغرب سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا والتي انعكست ولا تزال من أطروحات صامويل هنتنغتون في كتابه الشهير «صراع الحضارات».

وعلى مدى يومين دار حوار ساخن ما بين رجال الإعلام وممثلي الحكومات الأوروبية والشرق أوسطية في دبلن بشأن «سبل منع التحريض على الإرهاب والراديكالية: أي دور للإعلام؟».ومنذ اللحظة الأولى تفجر الاشتباك بشأن تعريف الإرهاب، والافتراض المسبق بوجود دور ما إضافي لوسائل الإعلام في مواجهة ظاهرة لا تزال موضع جدل ما بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حتى حول «تعريفها» والتفريق ما بينها وما بين الكفاح المسلح، فضلاً عن الخلاف على الدور الذي تثيره مسألة «إرهاب الدولة» وقوى الاحتلال في تنامي وديمومة ظاهرة الإرهاب.

..أسئلة أكثر.. أجوبة أقل!

ويبدو أن القضية لا تزال مثيرة للجدل والمشاعر لدرجة أن المؤتمر الذي نظمته وزارة الخارجية الأيرلندية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي قد أثار أسئلة أكثر مما قدم من أجوبة، وفي مداخلة مهمة أكد البروفيسور جون هورغان من جامعة «دبلن سيتي» ®. أهمية إدراك أن وسائل الإعلام قد تغيرت وتتغير على الدوام حتى منذ بدء عملية الحوار الأورومتوسطي «المعروفة باسم عملية برشلونة» فمع نمو الانترنت، وتزايد عملية النشر في الشبكة العنكبوتية، والمدونات، قد أدى ذلك إلى بروز تحديات جديدة ليس فقط للصحافة التقليدية بل للأنظمة والمسؤولين.

وأظهرت دراسة أخيرة لمركز بيركمان للانترنت بجامعة هارفارد الأميركية أن السنوات الخمس الماضية شهدت عمليات «الفلترة» الحكومية للانترنت وبعبارة أخرى الرقابة ـ من عدد ضئيل إلى أكثر من عشرات الدول. وبينما كانت الرقابة على الإنترنت في أوروبا يقوم بها القطاع الخاص، فإن الفلترة في الدول الأخرى تقوم بها الحكومات وتمحورت حول الدواعي الأمنية والسياسة والأعراف الاجتماعية.

ويرى هورغان أن «وسائل الإعلام الجديدة» توفر أرضاً جديدة للصراع ليس فقط ما بين المواطنين والدولة، ولا ما بين المجموعات المختلفة داخل الدولة، ولكن ما بين الدول ذاتها. وهنا تبرز أهمية الدور الذي يتعين أن تلعبه الصحافة التقليدية، والذي هو في مرحلة التطور حالياً، ألا وهو دور المرجعية فيما ينشر من أخبار أو إشاعات على الشبكة العنكبوتية من جهة والسلطات من جهة أخرى.

وينبه د. هورغان أن هناك وجهين لعملة المدونات على الإنترنت: أولهما أن «أكذوبة» يمكنها أن تصل إلى منتصف الطريق حول العالم قبل أن تضع الحقيقة قدميها في حذائها، والثاني: أن عملية التدوين والمدونات تقوم بدور ـ كما قامت من قبل ـ الكشف عن الأخطاء والتحيزات والقصور في الصحافة التي تدعي دوماً أنها تأخذ بجدية مسألة مصداقيتها وتيقنها من جهة أخبارها وتقاريرها.

وبالرغم من ذلك فان هورغان يطالب بعدم الوقوع تحت أغواء «التكنولوجيا» بمفردها، أو الاعتقاد بأنها ستكون قادرة على حل المشكلة. ومثله يقول توماس جيفرسون «إن الحقيقة سوف تنتصر ما لم يتم تجريدها من أسلحتها الطبيعية ألا وهي الحوار والجدل الحر».

إلا أن السؤال يظل مطروحاً وبقوة: بالنظر إلى حق الدول في الدفاع عن أنفسها وحماية مواطنيها، فان السؤال ليس بشأن ضرورة فرض أي قيود على «الميديا» بل متى وكم عدد هذه القيود ومن الذي يتولى القيام بها؟

الرد المرن لا الرقابة!

وبينما ساد ثمة اجتماع من قبل الصحافيين المشاركين في الندوة بشأن ضرورة عدم فرض مزيد من القيود على الصحافة، وأن تترك المسألة برمتها إلى وسائل الإعلام لكي تقرر ما الذي تأخذه وما الذي تحجبه تحقيقاً للصالح العام.

فقد انضم صوت أكاديمي لصالح حرية الصحافة، إذ جادل د. جون رايان من معهد الدراسات الأوروبية في أيرلندا لصالح «القبضة الناعمة». وقد وضع رايان المعركة الدائرة حول الانترنت على النحو التالي: «إن الراديكالية العنيفة في الانترنت تعكس اتجاهين: أولهما ديمقراطية الاتصالات المدفوعة من قبل نصوص يحركها ويوجدها المستخدمون مقابل ديمقراطية «العنف الاستراتيجي» الذي يوجده إرهاب أطراف بخلاف الدولة ترى كيف يمكن لأوروبا أن تستثمر الاتجاه الأول لمواجهة الاتجاه الثاني»؟

ويجيب د. رايان بتأكيده على أن الإجابة الصحيحة لمواجهة الراديكالية العنيفة على الانترنت ليست في عملية رقابة هذه الشبكة العنكبوتية، بل في ثورة الانترنت التي محورها جمهور المستخدمين لها. ويضيف بقوله: ان الخلاصة بالنظر إلى السياسة هو: الردود المرنة القائمة على تحسين المعرفة وانتهاز الفرص التي توفرها الانترنت. وهذا سوف يخدم أوروبا أفضل بكثير من اللجوء إلى أجوبة قاسية تعتمد على الرقابة».

المسألة عصية

على التحديد!

.. لم يكن الأمر سهلاً على الأطراف المشاركة في المؤتمر أن تضع خطوطاً فاصلة ما بين الإثارة والتحريض و«الريبورتاج الصحافي وأثره في نفوس القراء والمشاهدين، فالبعض جادل بأن لا أحد يقرأ جريدة أو يستمع إلى راديو أو يشاهد التلفزيون يجلس هكذا مسالماً لكي يكتب في عقله صاحب المقال في الجريدة أو مذيع الراديو والتلفزيون ما يحلو لهم.

وفي ذات الوقت فان الرسوم التوضيحية في جريدة والصور في التلفزيون الخاصة بآثار الدمار الذي خلفه عمل إرهابي قد يثير الهام العديد من المواطنين لبذل مجهود أكبر لهزيمة الإرهاب. إلا أنها قد تعطي البعض ممن يعارضون الإرهاب شعوراً خاطئاً بأن الإرهاب ربما لن يمكن دحره على الإطلاق. بل ربما ـ وحتى بدون أي نيه من قبل الناشرين ـ فإنها قد تحرض الإرهابيين على تكرار تكتيكهم الإرهابي نظراً لما رأوه من شواهد نجاح في الرسوم التي نشرت والصور التي «أذيعت»!

ومن هنا كانت الدعوات لضرورة توافر النوايا الحسنة من قبل الحكومة «والميديا» تجاه بعضهم البعض في المعركة ضد الإرهاب، وقد أثار د. رامز معلوف أستاذ الإعلام وعميد معهد فنون الإعلام بالجامعة الأميركية في بيروت مسألة «ازدواجية المعايير» عند التعامل الغربي مع الإعلام.. ففي حين أجرى روبرت فيسك حواراً مع اسامة بن لادن لم يعترض عليه أحد ولم يواجه أي أذى بسببه، ففي المقابل جرى سجن تيسير علوني 7 سنوات في أسبانيا جراء حوار مماثل مع بن لادن؟!

... ولذا كان ثمة إجماع من قبل الصحافيين العرب في مواجهة رجال مكافحة الإرهاب وممثلي الحكومات الغربية والشرق أوسطية على ضرورة الاعتراف بأن «الصحافة المهنية الملتزمة ليست راغبة ولا هي طرف مخدوع بالتعاون مع الإرهاب.

ورأى بعض الأكاديميين والصحافيين الغربيين أن هناك اتجاهاً لدى الحكومات يعتقد أن «الميديا» دورها محصور فقط في كيفية استخدامها كقوة مناهضة للإرهاب، وذلك بنفس الدرجة التي يفكر فيها الإرهابيون في استغلال الإعلام لأغراضهم الخاصة، ووفقا لنصيحة د. جون هورغان فإن الحكومات عليها أن تقاوم الإغواء بالتفكير في «الميديا» بنفس طريقة الإرهابيين!

من الذي يحرض؟!

ويتناول دافيد غارنر الكاتب بصحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية زاوية أخرى تتعلق بصعوبة التوصيف؟، ففي حين تقول إسرائيل إنها لا تقتل مدنيين إلا أن السؤال يبقى: ماذا عن قتل القوات الإسرائيلية المزيد من الأبرياء؟ ويرى أن السؤال الخاص بمن الذي يحرض؟ صعب للغاية، ويشير بملاحظة خطيرة بتأكيده أن غزو العراق كان أكبر عملية تحريض على الإرهاب؟! ويخلص إلى مسألة أخرى تتعلق بصعوبة تغطية العراق، وأن من الصعب على أي شخص أن يعرف ما الذي يحدث؟!

عودة إلى جذور الظاهرة..

وبينما تبدو القضية ملتهبة فقد تمحورت مداخلة «البيان» حول عدم طرح الأسئلة الصحيحة من قبل الدوائر الغربية، مثل ما هي نقطة البداية في عملية الإرهاب والراديكالية؟ هل جاءت في محيط من الظلم وتجاهل القضايا العادلة للشعب الفلسطيني علي سبيل المثال، وهل هي قبل أم بعد غزو العراق؟ وهل الظاهرة تتراجع أم تتزايد ولماذا فشلت الوصفة الأمنية فقط في العلاج، وماذا عن إرهاب الدولة الإسرائيلي وقتل المدنيين في فلسطين والعراق؟ وهل يتم إعطاء رجال الأمن الفرصة لكي يقولوا رأيهم في هذه الظاهرة.

وسرعان ما فجرت هذه الملاحظات كتلة الصمت وأسئلة كثيرة مهمة: فقد تساءل صحافي بالتلفزيون الجزائري: هل نعطي الفرصة للإرهابيين كي يتحدثوا ويبرروا؟، وبينما انحاز كثيرون من دول شمال إفريقيا إلى ضرورة عدم إعطاء الفرصة لهؤلاء الإرهابيين. تدخل مايك جيمسون من مؤسسة «ميديا ويزترست» البريطانية التي تعنى بشؤون الإعلام ـ مطالباً بضرورة ليس فقط إجراء مقابلات مع الإرهابيين، بل تحديهم في الحوارات الصحافية.. من أجل إلقاء الضوء لأن ذلك هو الدور الحقيقي للصحافة.

وفي الوقت ذاته أثار دومينغو ديل بينو من اتحاد الصحافيين الأسبان مسألة إثارة الكراهية، وأشار إلى قضية في غاية الخطورة تتعلق بأن أساتذة الإعلام والسياسية في أسبانيا يقولون الآن «الإرهاب الإسلامي» ويعقب بالقول إن ذلك من شأنه إثارة الكراهية ضد الأقلية المسلمة.. ومن جانبها تلتقط راندا عشماوي من صحيفة «الأهرام أبدو» الناطقة بالفرنسية طرف الخيط لتقول إن الإرهاب لم يحدد، ومن غير المعقول أن نطالب نحن بتحديده، وهو يمكن أن يتواجد في كل المجتمعات، ولابد من معرفة الأسباب والظروف التي تؤدي إلى الإرهاب!

وبينما رأت الغالبية أن الظاهرة خطيرة وأن من الصعب فرض مزيد من القيود على الصحافة، فقد كان هناك رأي خلاصته «إن مهاجمة المدنيين جريمة أياً كان القائم بذلك»، وطالب الكثيرون بضرورة «النقد الذاتي» والمراجعة الدورية والتخلي عن ازدوجية المعايير في التعامل مع الظاهرة، وإدراك أن «الحل الأمني» بمفرده لن يحل الأمر وضرورة حل القضايا المزمنة ـ مثل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ـ من أجل سحب الذرائع من أيدي الإرهابيين، والأهم استمرار الحوار.

دبلن ـ محمد صابرين