تحفة معمارية نادرة يفتخر بها سكان الحي الذي يحمل اسمها، بل هي من أجمل المعالم التاريخية والثقافية في مدينة الجزائر. تلك هي كنيسة «السيدة الإفريقية» التي ستحتفل في الثاني من يوليو المقبل بمرور 135 عاماً على بدايتها.
كان الحجاج من مختلف بلدان إفريقيا يزورونها سنويا ويطلقون عليها اسم «جوهرة الجزائر» لمظهرها الشامخ على هضبة غاية في الجمال ولتفاصيلها المعمارية الدقيقة والأنيقة. وكانت حتى بداية العقد الماضي أكبر كنائس إفريقيا وأشهرها، حتى قرر رئيس كوت ديفوار الأسبق فليكس هفوت بوانييه تحديها ببناء كنيسة أكبر منها.
موقع هذا الأثر الرائع، يبدو وقد اختير بعناية من قبل رواد المذهب الكاثوليكي الذين اصطحبهم الجيش الفرنسي خلال غزوه الجزائر في العام 1830 وأسسوا لنشر المسيحية في البلاد. وميزته أنه مرتفع ولا يبعد عن ساحل البحر إلا بضعة عشرات من الأمتار، فضلا عن إمكانية مشاهدته من جهات عديدة من العاصمة، خاصة المناطق المطلة على خليج الجزائر.
وكان المكان من قبل غابة طبيعية كثيفة عندما وضع حجر أساس «السيدة الإفريقية»، ما يعني أنها كانت بعيدة نوعا ما عن المدينة، ويعتقد أن الدافع الأساسي وراء اختيار هذا المكان، كان لاعتبارات محسوبة بإتقان وهي إقامتها في موقع آمن بعيد عن محيط المدينة التي تتواجد أسفلها في شريط ساحلي سهل وضيق، حفاظا على شكلها وهندستها وقيمتها وسط المباني المزدحمة، وهو ما أكده أيضا الأب هنري مافرييه لـ «البيان».
وأسفل الكنيسة باتجاه البحر، توجد مقبرة كبيرة يسميها الجزائريون مقبرة النصارى، في إشارة إلى أنها كانت مقبرة للفرنسيين طيلة الحقبة الاستعمارية، كما تضم في قسم منها مقبرة لليهود أيضا، ومازالت تستقبل الموتى سواء من المسيحيين أو من اليهود، وكان آخر من دفن بها من اليهود ثلاثة اغتيلوا العقد الماضي بالعاصمة الجزائر ونسبت الحادثة لجماعة إسلامية متطرفة تنشط بالمدينة وسبق أن اغتالت جزائريين وأجانب من مختلف الديانات.
إبداع في التصميم والزخارف كتب على إحدى الجداريات «شيدت كنيسة السيدة الإفريقية تمجيدا للعذراء مريم أم المسيح وملكة إفريقيا»، وقد بدأت الأشغال في الثاني من فبراير 1852 بتصميم هندسي أنجزه المعماري فروماجو. أشرف على إنجاز الأشغال الكبرى من المشروع المونسينيور يافييه ما بين 1858 و1866
أما الكاردينال لافيجري فأشرف على إنجاز ما تبقى في الفترة ما بين 1866 ـ 1872 ليتم تدشينها في 2 يوليو 1872 في الذكرى الثانية والأربعين لدخول طلائع الجيش الفرنسي مدينة الجزائر. ويقع أساس الكنيسة على ارتفاع 124 متراً عن سطح البحر، تتجه من الغرب إلى الشرق. الدرج الكبير ينفتح على مخرج باتجاه الشمال الشرقي تتوسطها قبة كبيرة يبلغ علوها 40 متراً عن الأرض أما طول الكنيسة فيبلغ 54 متراً.
مظهرها الخارجي من جهة البحر يحتوي على بابين كبيرين مصنوعين من الخشب الاستوائي الأحمر. يتواجد فوق البابين تمثال السيدة الإفريقية بطول ثلاثة أمتار في مظهر رمزي يعطي انطباع استقبالها للزوار.
وحسب ما كتب في إحدى الجداريات فإن هذا التمثال قدمته فتيات مسيحيات من مدينة ليون الفرنسية، وهو مسبوك بمعدن البرونز. أما من الجهة المعاكسة للبحر فتتكون الواجهة من مئذنة ذات طابع معماري مغربي أندلسي.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي