حتى وقت ليس ببعيد كان الإعلام جبهة متقدمة يحارب عبرها الفلسطينيون لإيصال قضيتهم العادلة إلى العالم، لكن «الانفلات» الذي ضرب الأمن أولاً ثم السياسة ثانياً، وصل أخيراً إلى هذه الجبهة وألحق بها أفدح الأضرار. تَظهر حالة الانفلات الإعلامي في أبسط القضايا المثارة للإعلام وفي أكثرها تعقيداً. وتظهر أكثر في الممارسات اليومية لشريحة «الناطقين الجدد»، الذين جاءوا إلى المهنة بلغة حملوها معهم من مناطق النزاع الفصائلي.

ونشأت في السنتين الأخيرتين شريحة من الناطقين الجدد باسم الفصائل والمجموعات العسكرية، حملت معها أساليب وقواعد غلب عليها التنافس الذي انحدر بالمهنة إلى مستويات دنيا. فحركتا «حماس» و«فتح» اختارتا عدداً من الناطقين الشبان للنطق باسم الحركتين في أجواء من تفجر الأزمة بينهما، ما انعكس سلباً على لغة التخاطب الإعلامي اليومي.

وترافق ذلك مع ظهور ناطقين بأسماء الأجنحة المسلحة المتكاثرة مثل «كتائب القسام» و«كتائب الأقصى» و«لجان المقاومة الشعبية» و«سرايا القدس» و«كتائب أبو علي مصطفى» و«كتائب المقاومة الوطنية» وغيرها. ويحمل الناطقون باسم المجموعات المسلحة لقب «أبو» مثل أبو عبيدة وأبو مجاهد وأبو أحمد وأبو قصي وأبو عبير وغيرهم.

ونظراً للتنافس الشديد بين الناطقين، حتى داخل البيت الواحد، أخذ بعضهم يجري مقابلات صحافية مع نفسه ويوزعها على وسائل الإعلام المحلية. ومن يتورع عن الوصول إلى هذا المستوى من «الانفلات الإعلامي» تجده يكتب تصريحاً صحافياً باسمه ويرسله إلى وسائل الإعلام. ونظراً لجاذبية الإعلام، شهدت الحكومة الجديدة صراعاً شبه معلن حول منصب الناطق الإعلامي باسمها. وبعد شد وجذب استقر المنصب إلى الدكتور مصطفى البرغوثي.

ورغم ان البرغوثي حقق انجازات لافتة لمنصب وزير الإعلام إلا ان ظهوره «الزائد»، كما يصفه البعض، بات محط انتقادات كثيرة. ويطلق بعض الظرفاء أوصافاً ساخرة على بعض الناطقين. فهذا ناطق يبث 24 ساعة من دون توقف وذلك يبث دون تشويش وهكذا. ويشكو مراسلو القنوات الفضائية على وجه الخصوص من تكالب الناطقين على فضائياتهم. وذكر بعض هؤلاء انهم يتعرضون لضغوط وتهديدات وإغراءات لاستضافة ناطقين من دون غيرهم.

ووصلت التهديدات حد إحراق سيارات وتفجير مقرات. أما الإغراءات فوصلت حد قيام شخصيات سياسية بارزة بالتنافس على تسريب أنباء لبعض المحطات لتوثيق علاقتها بها. ويسخر بعض الصحافيين من بعض السياسيين الذين يمارسون ذلك مطلقين عليهم صفة «مراسل محطة كذا» بدلاً من عضو لجنة مركزية أو مكتب سياسي لحركة كذا. ووصل الانفلات الإعلامي حد إثارة بلبلة كبيرة في قضية تبادل الأسرى.

ووجه الأسرى، وعددهم أحد عشر ألفاً، مؤخراً رسائل إلى عدد من الناطقين طالبوهم فيها بالتوقف عن إطلاق التصريحات في شأن صفقة تبادل الأسرى. ونقل أحد قادة الأسرى الذي أنهى فترة حكمه مؤخراً رسالة واضحة من زملائه إلى عدد من الناطقين يقولون لهم فيها «كفى».

رام الله ـ محمد إبراهيم