يحيي الشعب الفلسطيني اليوم، الخامس عشر من مايو، الذكرى التاسعة والخمسين لنكبة فلسطين، التي تسببت في اكبر جريمة في التاريخ الحديث، وهي جريمة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتهجيره من دياره عام 1948 على أيدي اليهود، الذين يسعون من ذلك الوقت إلى محاولة محو ذاكرة هذا الشعب وإسقاط حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، متسلحين بدعم سياسي وعسكري ومالي من الغرب والصهيونية العالمية.
من هنا فان قضية اللاجئين تعد الوجه الحقيقي للنكبة، التي أفرزت بالإضافة إلى هذه الجريمة الكثير من الجرائم الأخرى ضد الشعب الفلسطيني، وواقعا أليما وعذابات كثيرة لا يزال يتجرع كأسها الفلسطينيون. وأوضحت دراسة أعدها الباحث في سيسيولوجيا اللاجئين في الضفة الغربية أنور حمام المراحل المتعاقبة لنشوء المخيم وأثره في الحياة الفلسطينية، على مختلف الصعد السياسية والنضالية والاقتصادية والأيديولوجية. وقال: إن تسمية المخيم جاء مقابل التقسيمات التقليدية للبشر المنقسمين بين ريف وحضر وبدو، حيث تلعب في عملية التمييز بين هذه الأصناف الثلاث: وسائل الإنتاج وقواه والعلاقات الاجتماعية الناشئة عنه والروابط القرابية، وتقسيم العمل، والكثافة السكانية، والثقافة وغيرها من محددات الأصل الاجتماعي، في حين يبرز المخيم كتجمع مفروض على اللاجئين الذين ليس لهم الحق في اختياره أو تحديد موقعه، وهو شكل يمثل خروجا عن التقسيم المتبع للتمييز بين البشر، وبهذا المعنى فالمخيم هو الوحدة الجغرافية - الاجتماعية الجديدة أو الوسط المحدث بعد العام 1948 أي بعد وجود اللاجئين فيه ليصبح إطارا للعلاقات الاجتماعية لعدد كبير من الفلسطينيين اللاجئين الذين ينحدرون في غالبيتهم من أصول قروية دون أي تمايزات طبقية بينهم لأن النكبة كحدث تاريخي قد ساوى بينهم بالفقر، وأيضا لا يمكن النظر للمخيم كوحدة إنتاجية، حيث تم فصل اللاجئين عن وسائل إنتاجهم التقليدية المتمثلة في الأرض.
وسجل الباحث حمام المحطات الكبرى في حياة المخيم وتقسيماته التاريخية، مؤكدا أن هذه التقسيمات التاريخية لا يمكن النظر لها كحدود فاصلة وكقطيعة ما بين المراحل، ولكنها تأتي كاستحقاق منهجي من أجل مزيدا من الفهم للأوضاع والتطورات التي عاشها المخيم منذ العام 1948. وبدأ بمرحلة العزلة معتبرا انه في هذه المرحلة المبكرة من عمر اللجوء الفلسطيني والديموغرافيا الفلسطينية شكلت الخيمة عنوانا شديد البروز تختلط فيه الرؤى والمواقف والنظرات حول اللاجئ فهو الهارب الجبان والمطرود المشرد ، وهو البائع للأرض والمجتث والمقتلع منها وهو النتيجة والسبب في آن، ولكن دون أدنى شك وقع تحميل اللاجئ في هذه المرحلة مسؤولية تركه للأرض جهلا أو عمدا، دون النظر بشكل جدي للأسباب التي أودت به إلى هذا المصير، وتم اعتبار اللاجئ منبوذاً من قبل المحيط الذي تم اللجوء إليه.
وأضاف حمام انه في هذه المرحلة التاريخية عاش اللاجئ داخل المخيم عزلة على نحو قاس جداً، وتعمقت الفجوة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والصحية بين المخيم ومحيطه الحضري والريفي، وتعود هذه العزلة إلى الاختلافات الثقافية والاجتماعية وقوة الدعاية الصهيونية التي لم تلق رواية مقابلة تدفع عن اللاجئ بعض ما ألصق به، وأيضا فلمخيم بشكله وتكويناته وظروف نشأته شكل عاملا مساعدا لهذه العزلة، وزاد من حدة هذه العزلة أحاسيس اللاجئين أنفسهم الذين دائما ما شعروا بالذنب والخجل والعار، نتيجة لفقدانهم الأرض والتي هي المحدد الأساسي للمكانة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في مجتمعاتهم التقليدية. أما المرحلة الثانية فهي النكسة وهى تقع في فترة هزيمة 1967 وما تبعها من التهام إسرائيل المزيد من الأرض العربية وتحديدا الجولان وسيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وتحويل أعداد جدد إلى صفوف اللاجئين.
وأشار إلى أن ذلك أحدث تغيرا في الوعي حيث ثابر اللاجئون من أجل فك العزلة التي أحاطت بهم كجماعة، وقد أدركت المحيطات الاجتماعية التي تحيط بالمخيمات حقيقة الظلم التاريخي الذي لحق باللاجئين عام 48 عبر ممارستهم هم أنفسهم كيفية أن يكونوا ضحايا لنفس الاحتلال، وبالتالي بدأت مقولات الهرب وبيع الأرض تفقد معناها، وأصبح اللاجئون بعد كسر حلقة من حلقات عزلتهم أكثر ثقة بالمستقبل وانهار حاجز الخوف، وتدعم ذلك بخطوات جريئة نحو التعليم كاستراتيجية تعويضية لمؤسسة الأرض وكمصدر للرزق والكسب، والذي يعكس وعيا بضرورة إدماج المعرفة في إطار الصراع والتعاطي معها كمقاومة، وربما مثلت المعرفة نوعا من رد الفعل ضد الجهل الذي كان من أسباب نكبتهم، وبالتالي أصبح التعليم حسب تعبير دافيد شبلر رزقا منقولا لا يمكن انتزاع ملكيته.
ويرى الباحث حمام أن التطور النضالي النوعي لمجتمع اللاجئين شكل قلقاً لإسرائيل التي بدأت تتحسس الخطر القادم من المخيم كوحدة سكانية نضالية، ومن هنا جاءت الكثير من الأفكار والمشاريع الإسرائيلية الداعية إلى توطين اللاجئين للقضاء على المخيم كوحدة للوجود، يحمل في طياته بذور الفعل المقاوم، والذي حمل وحمى المقاومة في محطاتها الأساسية في كل من الأردن ولبنان، وشارك كعنصر أساس في كل معارك الدفاع عن الثورة الفلسطينية، حيث تلقت المخيمات ضربات مؤلمة وفي كثير من الأحيان كارثية كما حدث في مخيمات صبرا وشاتيلا ونهر البارد والبداوي.
واعتبر الباحث أن المرحلة الثالثة كانت من انتفاضة المخيمات إلى الانتفاضة الشعبية الأولى في العام 1987. وجاء في بحثه أن قراءة تاريخية وعلى نحو معمق تدفعنا قسرا للميل نحو الاعتقاد أن الانتفاضة عام 87 ما هي إلا إعادة إنتاج لانتفاضة المخيمات، ولكن بتعميمها كظاهرة معيشية شاملة على امتداد فلسطين المحتلة، فقد مهدت الانتفاضات الصغيرة التي عاشتها المخيمات في الضفة وغزة وخصوصا انتفاضة 30 مارس 76 والانتفاضات التي انطلقت كردة فعل على حرب 82 وحصار بيروت وطرابلس، واجتثاث المقاومة ونقل مقرها للعاصمة التونسية ومجازر صبرا وشاتيلا،
وما تبعها من تشكل لهياكل تنظيمية داخل المخيمات بشكل مثير وخلاق وهذه الهياكل بدأت تعمل على تنظيم الحياة داخل المخيمات وتتصدى للاحتلال، وبدأت المخيمات تعرف بشكل مبكر «الإضراب العام والجزئي» ومحاربة المظاهر السلبية، وتشكل القوات الضاربة تحت مسميات (أجهزة الردع)، ويمكن القول أن انتفاضة المخيمات الممهدة لانتفاضة عام 87 كانت بمثابة رد حاسم ومناقض للاحتلال الذي يهدف إلى طمس الانتماء والهوية العربية في فلسطين، بالتالي فالهوية العربية هي التي حافظت وتحافظ على الكيان الجماعي في فلسطين لا العكس.
ونوهت الدراسة إلى أن المخيمات لعبت دورا مركزيا في حلول الانتفاضة عام 87 وشكل مخطط كسر المخيمات ضمن السياسات الإسرائيلية المحطة الأولى نحو كسر الانتفاضة ووأدها وبالتالي دفعت المخيمات ثمنا باهظا من الشهداء والجرحى والمعتقلين، وما رافقها من مساس بكافة جوانب الحياة الاقتصادية والسكنية والصحية والثقافية والعلاقات بين الأب والأم والأبناء والعلاقات التنظيمية بين القوى الفاعلة، والأدوار داخل الهياكل الاجتماعية المختلفة، وأيضا مست التغيرات العديد من والمفاهيم والقيم، وأصبحت هناك رأسمال جديد يحدد المكانة الاجتماعية داخل المخيم وهو رأس المال النضالي.
نص القرار 181 بالموافقة على التقسيم
فيما يلي نص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بالموافقة على مشروع تقسيم فلسطين بتاريخ 29 نوفمبر 1947:
إن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، بعد أن عقدت دورة خاصة بناء على طلب الدولة المنتدبة ـ بريطانيا ـ للبحث في تشكيل وتحديد صلاحية لجنة خاصة يعهد إليها تحضير اقتراح للنظر في مسألة حكومة فلسطين المستقلة في دورتها الثانية: وبعد أن شكلت لجنة خاصة أناطت بها مهمة إجراء تحقيق حول جميع المسائل المتعلقة بمشكلة فلسطين وتحضير مقترحات بغية حل هذه المشكلة.
وبعد أن تلقت وبحثت تقرير اللجنة الخاصة «مستند رقم 364/أ» الذي يتضمن توصيات عدة قدمتها اللجنة بعد الموافقة عليها بالإجماع، ومشروع تقسيم اتحاد اقتصادي وافقت عليه أغلبية اللجنة، تعتبر أن الحالة الحاضرة في فلسطين من شأنها إيقاع الضرر بالمصلحة العامة والعلاقات الودية بين الأمم. وتحيط علماً بتصريح الدولة المنتدبة الذي أعلنت بموجبه أنها تنوي الجلاء عن فلسطين في أول أغسطس سنة 1948. وتوصي المملكة المتحدة، بصفتها الدولة المنتدبة على فلسطين وجميع أعضاء الأمم المتحدة بالموافقة وبتنفيذ مشروع التقسيم مع الاتحاد الاقتصادي لحكومة فلسطين على الصورة المبينة أدناه، وتطلب:
أ ـ أن يتخذ مجلس الأمن التدابير الضرورية المنوه عنها في المشروع لتنفيذه.
ب ـ أن يقرر مجلس الأمن إذا أوجبت الظروف ذلك أثناء المرحلة الانتقالية ما إذا كانت الحالة في فلسطين تشكل تهديدا للسلم. فإن قرر مجلس الأمن أن مثل هذا التهديد قائم بالفعل فيجب عليه المحافظة على السلم والأمن الدوليين أن ينفذ تفويض الجمعية العامة وذلك باتخاذ التدابير وفقا للمادتين 39 و41 من الميثاق، لتخويل لجنة الأمم المتحدة سلطة في أن تمارس في فلسطين الأعمال التي يلقيها هذا القرار على عاتقها.
ج ـ أن يعتبر مجلس الأمن كل محاولة ترمي إلى تغيير التسوية التي يهدف إليها هذا القرار بالقوة تهديدا للسلم أو قطعا أو خرقا له أو عملا عدوانيا بموجب نص المادة 39 من الميثاق.
د ـ أن يبلغ مجلس الوصاية بالمسؤولية المترتبة عليه بموجب هذا المشروع.
وتدعو الجمعية العامة سكان فلسطين إلى اتخاذ جميع التدابير التي قد تكون ضرورية من ناحيتهم لوضع هذا المشروع موضع التنفيذ، وتناشد جميع الحكومات والشعوب الامتناع عن كل عمل قد يعرقل أو يؤخر تنفيذ هذه التوصيات.
شهادات من دفتر النكبة وحكايات بلون الدم
يمضي عام ويأتي آخر، وتتجدد ذكرى النكبة عند الفلسطينيين ويتذوقون مرارتها على يد الاحتلال الإسرائيلي كما يتفنن الطاهي في تقديم الوجبات الدسمة. يقص الأجداد لأبنائهم وأحفادهم القصص والحكايات عن قراهم ومدنهم التي هجروها قسرا، بعد المجازر التي ارتكبتها عصابات الإجرام الصهيونية بحقهم. ورغم مرور 59 عاماً على النكبة، إلا أن ذكراها لا تزال الحدث الأهم بالنسبة للفلسطينيين المهجرين، الذين لا يزال يحدوهم الأمل في العودة إلى منازلهم وأحراشهم وقراهم. فيما يلي عدد من شهادات الفلسطينيين عن تاريخ تمزيق الوطن والبشر.
آمنة شقفة: رأيت أمي وإخوتي يذبحون أمامي
الحاجة آمنة شقفة (73 عاما) التي كانت تجلس أمام ناصية منزلها، في أحد أزقة مخيم الشابورة الضيقة بمحافظة رفح، جنوب قطاع غزة وسط أحفادها، تتحدث دائما عن بلدتها الأصلية «عاقر» قضاء الرملة، وتقول: «كانت حياتنا هادئة جميلة، نعيش في رغد وسعة، لا ينقصنا شيء، نزرع الأرض ونحصدها، ونجني الثمار ونبيعها، ونعقد حلقات السمر، ونقيم الاحتفالات وندق الطبول في المناسبات الدينية».
وتضيف «كنت في ذلك الوقت متزوجة ولدي طفل رغم أن عمري لم يتجاوز 14 عاما في ذلك الوقت، ومقيمة بجانب منزل عائلتي التي قضت نحبها خلال المجزرة التي حدثت في قريتنا». ولبرهة من الوقت توقفت الحاجة شقفة عن الحديث مطلقة العنان للدموع كي تعبر عن شوقها للعودة إلى قريتها. وبعد تنهيدة بعمق جرح النكبة، تابعت القول: «لم أتصور أن أري أمي وإخوتي يذبحون أمامي من دون ذنب سوى أنهم خرجوا أمام منزلنا لترقب عودة والدي». وتضيف «كانت أمي تحمل أخي أحمد الذي لم يكن يتجاوز عمره العامين على صدرها ويلتف أخوتي حولها بعد قدوم العصابات الصهيونية إلى بلدتنا».
وتكمل: «في ذلك الوقت كنت داخل المنزل، وبعد سماعي لهدير الرصاص، خرجت على صرخات أمي التي رددتها بعد أن اخترقت رصاصات عصابات الهاجانا الصهيونية صدرها، حيث احتضنت أخي أحمد الذي تلطخ بدماء أمي التي كانت تقول وهي تلقت أنفسها الأخيرة أحمد أمانة في عنقك وهذا المنزل أمانة في رقبتك ». وأوضحت أن «والدتها وثلاثة من إخوتها قد استشهدوا برصاص الغدر الصهيوني، ولم يبق من العائلة سوى هي وأحمد الذي يقيم في السعودية».
عبدالله زقوت: قاومنا الطرد الإسرائيلي
هذه شهادة المواطن الفلسطيني المهجر عبد الله زقوت الذي ولد في قرية أسدود سنة 1923، حيث قال انه« كان يسكن في القرية حوالي 4000 نسمة. أسدود كانت من القرى الكبيرة حيث بلغت مساحتها ما يقارب 60000 دونم اعتاش أهلها على الزراعة». وتابع:« أثناء الحرب العالمية الثانية اشتغل سكان أسدود في معسكرات الجيش البريطاني. الحياة كانت بسيطة، لم يكن الناس جائعين، وكان الكثير من البيارات وكروم العنب. في عمر التاسعة بدأنا نتعلم فتعلمت باسدود 5 سنوات وفي المجدل 3 سنوات وفي غزة لمدة سنتين. ومن بعدها باشرت عملي كمعلم مدرسة في اسدود. في عام 1948 كانت اسدود ضمن القسم الفلسطيني في قرار التقسيم».
وقال: «وصل الجيش المصري فشنت معركة ضده وفي نهاية 1948 انسحب الجيش المصري، لقد بقينا في القرية وشجعنا الناس كي لا يتركوا القرية فرغبنا العيش بتعايش مع اليهود. كان في اسدود 4000 نسمة وبقي 500. عندما وصل الجيش الإسرائيلي فرض حظر التجول وبعد ذلك وصلت سلطات الجيش للتفتيش عن مظليين قد سقطوا. وفي اليوم التالي أمرونا بالخروج للشارع ولم نفكر للحظة بأنهم سيأخذوننا للأسر فاخذوا الشباب حتى جيل 17 للأسر والشيوخ والنساء طُردوا للمجدل بسنة 1948.
وأضاف: «أسروني في جديرا حيث كان هناك أيضا مصريون. بعد أن تم تصنيفنا كان معنا المئات من الجيش المصري، وبعد ذلك بأيام فتحت سلطات الجيش الطريق بين غزة والمجدل. حتى نهاية عام 1948 لم تبق أكثرية عربية، فقد طردوهم وحتى لا يقولوا إنهم طردونا ادعوا ان الجيوش العربية نادتنا وهذا غير صحيح. طردونا وأنا شخصياً طردوني للمجدل فعملت فيها معلما، أذكر انه كان في جديرا حاكم عسكري اسمه سوكرمان وهو حاول المساعدة. بعد ثلاثة أشهر قرروا طرد السكان.
فكان يأتي الجيش بالليل لإخافة الناس كما أعطوا نقودا ورشاوى للذين وافقوا بيع متاعهم والانتقال إلى غزة، أما بالنسبة للذين رفضوا الرحيل إلى غزه أحضروهم إلى اللد. أما عائلتي فقسم منها لا يزال يسكن في غزة. في بداية الخمسينات سوكرمان لم يكن حاكما عسكريا بعد. جاء آخرون وقرروا طرد السكان. لم يستطيعوا طرد السكان لان إسرائيل لم يكن معترف بها في الأمم المتحدة. كنت مع مجموعة من الشباب المثقفين الذين رفضوا الطرد.
لطيفة المدهون: التهجير بنيران الطائرات
لا تزال الحاجة لطيفة عبد الله علي المدهون( 79 عاما)، تذكر جيدا قريتها المجدل التي تعتبر أكبر القرى التي ورثت مجد مدينة عسقلان، حيث تشير إلى أن عسقلان كانت تطلق على منطقة أثرية قريبة من المجدل وتبعد عنها مسافة ربع ساعة فقط. وتشير إلى أن قريتها كانت مكونة من عدة حارات أشهرها حارة المنشية وحارة المدهون وحارة الطلسة، وحارة أبو شرخ وحارة زقوت وحارة السناورة وحارة العبادلة. وتوضح أن عائلتها (المدهون) كانت من أكبر عائلات القرية، وأن حماها (والد زوجها) كان رئيس البلدية.
وتذكر أيضا أن عائلتها كانت تمتلك مجلسا عائليا (ديوان) كبير يجلس فيه الرجال ويستقبلون فيه الضيوف، تحيط به ساحة كبيرة ومولد كهرباء، كما كان الديوان يستخدم من قبل الغرباء للمبيت فيه. ومازالت تذكر مسجد القرية الكبير والذي كان مبنياً من الحجر الصخري، وله بوابة ضخمة وأمامه ساحة كبيرة يتواجد بها تجار القماش، وله ثلاث مآذن. وتشير الحاجة لطيفة إلى أن عائلتها كانت تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، المزروعة بمختلف الأشجار والمزروعات كالخيار والفقوس والشمام والبصل، وأيضا الفواكه كالمشمش والفواكه والعنب، بالإضافة إلى امتلاكهم حوالي 300 خلية نحل.
وتذكر أيضا أن نسبة كبيرة من سكان المجدل كانوا يعملون بالتجارة، وخاصة تجارة القماش بالإضافة إلى وجود الكثير من الصناعات المرتبطة بتجارة القماش وبالتحديد صناعات النول والثوب الفلسطيني التقليدي المطرز، بالإضافة إلى عمل الكثير من السكان بالفلاحة والزراعة. وتروي الحاجة لطيفة كيف أن الطائرات الصهيونية عملت ليل نهار على تهجير السكان عن طريق قصف المنازل بشكل عشوائي وهمجي، مما أسفر عن مقتل الكثيرين وتدمير واسع للمنازل، والأحياء، الأمر الذي دفع السكان للنزوح من المنازل والمكوث في العراء.
أم محمد: قتلوا عائلتي لتمسكها بالأرض
أم محمد لاجئة تبلغ من العمر 90 عاماً، قالت لابنتها: كانت بلدنا الرانتية تتكون من العديد من الحمايل، دار أبو غنام، ودار أبو رقية، ودار أبو سرقس، وكانت نصف البلد تتكون من حمولتنا. وكان لنا 5000 دونم نزرع فيها القمح والشعير، ونقسم المحصول بالتساوي بين الأخوة والأخوات، وكنا نربي الحيوانات كالبقر والغنم. وكنت في أيام الشتاء تحت المطر أعمل بالمنجل في البيارة، والناس في البلد يتعاونون مع بعض على الخير دائما في الزراعة والحصيدة.
وأسهبت أم محمد قائلة: كنت أحملكم لتقطفوا معي الثمار عن الشجر وكنا نبيع الثمر في يافا، وبيتنا كانت تعيش فيه تسع عائلات، الأخوة وأولاد العم وعائلاتهم وكنا نخبز بطابونة لجميع العائلة. وعندما صارت النكبة فقدنا أرضنا واستشهدت جدتك وعمتك لأنهن تمسكن بالأرض ورفضن مغادرة البيت فأطلقوا عليهن الرصاص. وحاولنا البحث عنهن بعد ذلك فلم نجدهن. وذهبنا بعد ذلك إلى كفر الديك ولم يكن معنا طعام فاضطررنا للذهاب إلى مكان آخر. وقد كان عندنا أمل بالعودة لأنهم قالوا لنا ستعودون بعد ثلاثة أيام.
سوريا: اللاجئون قاتلوا حتى آخر رصاصة
بلغ عدد الفلسطينيين في سوريا وفق إحصائية حديثة أكثر من نصف مليون، ولد معظمهم المدن السورية والمخيمات الفلسطينية المنتشرة بشكل رئيسي في دمشق وريفها ودرعا وحمص وحماة وحلب. غالبية فلسطينيي سوريا من صفد وقضائها البالغ أكثر من ثمانين قرية، وهؤلاء كانوا يرتبطون بعلاقات خاصة مع إقليم الجولان المجاور ومع دمشق بشكل عام، يلي الصفديين من حيث العدد أهالي حيفا وقضائها وطبرية وقضاءها ثم عكا وقضائها.
ولا نأتي بجديد إذا قلنا إن الفلسطينيين اللاجئين إلى سوريا حصلوا على حقوق مشابهة لحقوق المواطنين السوريين، كما أنهم وبفضل عمل الكثير منهم في دول الخليج يساهمون بالحركة الاقتصادية وتنشيط الأسواق. هذا إذا تجاوزنا الطاقات العلمية النوعية التي تساهم في العمل في جميع المؤسسات الخدمية في القطاعين العام والخاص. ومع ذلك فأحلام العودة لا تزال تداعب خيال الكثير منهم خصوصاً أولئك الذين ولدوا وعاشوا طفولتهم الأولى في فلسطين، فصورة «البلاد» لا تزال منطبعة في ذاكرتهم مهما تباعدت السنون، وحدث النكبة الذي ألم بفلسطين وأهلها عام 1948 لا يزال ماثلاً في الأذهان.
وقد روى الحاج عبد الحميد عرب ل«البيان» قصة سقوط مدينة صفد التي سلمت للأعداء ولم تستسلم. وقال الحاج عرب وهو من مواليد عام 1927إن شباب ورجال المدينة كانوا قد استعدوا للدفاع عنها بعد انسحاب البريطانيين، وأكد أنهم استولوا على جميع مراكزها الهامة، وسيطروا عليها سيطرة تامة، ولكن تدخل جيش «الإنقاذ» العربي هو الذي أربك الأمور وأدى إلى سقوط المدينة. وقد أصيب الحاج عبد الحميد عرب بيده في إحدى المعارك حيث لا يزال أثر الإصابة واضحاً حتى الآن. ويصف أبو العبد محمود حسين الذي وُلد في ترشيحا قضاء عكا عام 1933 ويقيم حاليا في مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين في حلب، يصف نكبة عام 1948 بأنها عملية تسليم للأرض الفلسطينية إلى اليهود.
يقول أبو العبد:«أعلنت الحرب وبدأنا نخوضها، ربما تستغربون من السلاح الذي كان لدينا، لأننا فلاحين كان الشخص منا يبيع أبقاره ليشتري بندقية، أو يبيع قمحه، لقمة أولاده، كي يشتري بندقية، ورغم صعوبة الحصول على بندقية شكلنا كتيبة من 100 شاب من بلدتنا وكانت كتيبة بلدتنا تخضع في ذلك الوقت بشكل تقريبي لقيادة جيش الإنقاذ الذي دخل فلسطين وحاربنا حتى آخر رصاصة».
مصر: تجديد «الوثيقة» هم موسمي
اللاجئون.. أناس بلا عنوان.. مطاردون في كل مكان.. منبوذون غرباء حيارى حتى ولو كانوا يعاملون معاملة أهل الأوطان.. سؤال غريب وربما عجيب أن يسأل أي منا نفسه: ماذا لو أتى من استولى على بيته ودمره.. وعلى زرعه وخربه.. وعلى ماله وسطا عليه، ثم أجبره على مغادرة المكان الذي يعيش فيه والذي شهد مولده ومسقط رأسه وطفولته.. ليعيش ضيفا اليوم عند عمه وغدا عند خاله وبعد غد عند خالته، وهكذا كل يوم عند أحد أقاربه علي أمل أن يزول الكابوس وتنكشف الغمة؟. بالقطع إن مجرد تخيل هذا السيناريو يمثل كابوسا مخيفا ومزعجا لا نرجو حدوثه أبدا.
«البيان» كانت حريصة علي استطلاع أوضاع عدد من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مصر.. وعلى أطراف مدينة شبين الكوم ( 82 كيلو مترا شمال القاهرة)اصطحبنا أحد الأصدقاء إلى عشة من القش «كوخ» حيث يقيم عبدالله جبر سالم الشيخ عيد منذ عدة سنوات. وبعد عبارات الترحيب من الرجل الذي لم تفارق الابتسامة شفتاه رغم شظف العيش وقلة الدخل وتواضع مستوى المعيشة بدأ يروي لنا قصته.
قال «أنا من مواليد عام 1941 في بئر السبع وقدمت إلى مصر برفقة والدي حيث أقمنا في الشرقية في شرق مصر حتى صرت شابا فأصبحت أنتقل من مكان لآخر حتى استقر بي المقام بمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية حيث كنت أمتلك جملا أحمل عليه المحاصيل الزراعية من القمح والذرة والقطن والحطب بمختلف أنواعه وهكذا حتى انقرضت تلك المهنة وظهرت بدائل أحدث كالسيارات والجرارات وغيرها فتحولت للعمل بالزراعة كأجير لأتحصل على لقمة العيش يوم بيوم وأنا الآن أرعى الغنم مع تربية بعض الماشية».
وعن أهم المشاكل التي تواجهه قال في الحقيقة نحن علي علاقة طيبة بالجيران وأهالي المنطقة ولدينا أصدقاء كثيرين لم نشعر معهم ليوم واحد أننا غرباء أو منبوذين، بل على العكس يمدون لنا يد المساعدة بصفة دائمة ونحن نعاني مثلنا مثل أي مصري فنحن نرى ونعرف الحال من حولنا ولكن المشاكل التي تواجهنا تتمثل في أنني مطالب بتجديد وثيقة الإقامة كلاجئ كل ثلاث سنوات وتجديدها للأولاد كل خمس سنوات بكفالة أمهم كما أنني مطالب عند كل تجديد أن أسدد مبلغ 203 جنيهات مصرية (الدولار الأميركي يساوى 69 5. جنيهات مصرية) عن كل فرد فاضطر لإجراء بحث اجتماعي لعدة شهور لإعفائي من هذه الرسوم كما أنني مطالب بوضع وديعة بمكتب البريد بمبلغ 500 جنيه أيضا لكل منهم كتأمين وهو طبعا ما يفوق قدرتي لولا مساعدة البعض لي كما أنني مطالب بالحصول على موافقة الأجهزة الأمنية، قبل تجديد الوثيقة لي أو لأبنائي وبالطبع هذا يحتاج لتحريات أمنية مختلفة وإن كنا وللحق لم نتعرض لأي مضايقات أمنية من أي جهة لأننا في حالنا وعلاقتنا طيبة مع الجميع.
ويقول «حصل ثلاثة من أبنائي على الثانوية العامة وبعض سحب الاستمارات من مكتب التنسيق نضطر للتوقف نظر لارتفاع المصاريف الدراسية وهو ما دفع بقية الأولاد لعدم الاستمرار في الدراسة طالما أن المصير معروف وأيضا كان لدينا بطاقة تموينية نصرف بها السلع التموينية بأسعار رخيصة ولكنها للأسف ألغيت منذ فترة بلا سبب معروف». وعما إذا كان يتوق للعودة إلى وطنه قال: كلها بلاد ربنا وإذا أسعفنا العمر للعودة فأهلا ومرحبا وإذا لم يقدر الله لنا هذا متنا هنا فهذا قدرنا ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا ولا تدري نفس بأي أرض تموت.
أشرف خليفة شاب فلسطيني ولد لأب فلسطيني يحمل وثيقة لاجئ، ورغم أنه ولد في مصر من أم مصرية وقضى طفولته وشبابه وتربى وترعرع في مصر وكل أصحابه وأصدقائه مصريون، إلا أنه هو الآخر يعاني أزمة الاغتراب داخل وطنه. وعلى الرغم من أنه قد تم تعديل قانون الجنسية في الفترة الأخيرة لصالح الأبناء من الأم المصرية إلا أن هذا لم يسر على الأبناء من أب فلسطيني حفاظا على الهوية الفلسطينية وعدم ضياع القضية بزوبان لاجئيها في المجتمعات الموجودين فيها ولم يحصل هو أيضا على الجنسية.
الأردن: اللاجئون.. أمام حلول مصيرية
ما الذي يجعل ملف اللاجئين الفلسطينيين أحد أكثر الملفات صعوبة لدعاة سياسة «هجوم السلام»؟ ولماذا يعتبر ملف هؤلاء من الملفات المضغوطة حد الانفجار؟ ولماذا يقال إن طبيعة حل هذا الملف ستعيد رسم الخريطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لدول المنطقة ومنها الأردن. إحدى الإجابات تشير إلى أن اللاجئين يشكلون ثلثي الشعب الفلسطيني ويتواجدون داخل الوطن وخارجه. وفي الأردن نحن نتحدث عن نحو ثلاثة ملايين لاجئ معترف وغير معترف بهم. وبأي شكل من أشكال الحل التي سيتوصل إليها السياسيون فإن الأردن قبل هذا الحل لن يكون كالأردن بعده. ولكن لماذا؟
لأننا نتحدث عن نحو مليوني إلى ثلاثة ملايين أردني من أصل فلسطيني، ينتظرون حل قضيتهم. وبعيدا عن حتمية حق العودة فإنه إذا ما جرى الحل بالتوطين مثلا فان المتوقع تغييرات استراتيجية مهمة على صعيد سياسة الدولة برمتها. أما إذا كان الحل بالعودة مهما كان شكلها، فان ذلك يعني حدث جلل سيكون له ما بعده. وعادت في الفترة الراهنة دعوات «كونفدرالية» مبكرة بين الأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية. وهي دعوات قد تحاول معالجة«حق العودة» ضمن سلة حل شامل في المنطقة، وإن كان حق العودة غير مرتبط أساسا بما بين الأردن وفلسطين بل بين اللاجئ وقبول إسرائيل بعودته.
ووفق آخر إحصائيات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «اونروا» الصادرة عام 2006 فإن الأردن يستضيف على أراضيه نحو مليوني لاجئ فلسطيني، يعيشون داخل عشر مخيمات تعترف بها المنظمة الدولية، فيما يقترب عدد اللاجئين غير المعترف بهم إلى المليون لاجئ يعيشون في مختلف مناطق الأردن.
أما المخيمات العشرة المتعرف بها وفقا لوكالة الاونروا فهي: مخيمات العاصمة عمان: مخيم عمان الجديد (مخيم الوحدات)، ومخيم جبل الحسين، ومخيم ماركا (شنلر سابقا وحطين حاليا)، أما مخيمات خارج العاصمة فهي: مخيم البقعة - محافظة البلقاء غرب شمال العاصمة، ومخيم الزرقاء - محافظة الزرقاء شرق شمال العاصمة، ومخيم الطالبية ـ محافظة مادبا جنوب العاصمة، ومخيم سوف ـ محافظة جرش شمال الأردن، ومخيم جرش (مخيم غزة) ـ محافظة جرش شمال الأردن، ومخيم الحصن (الشهيد عزمي المفتي) ـ محافظة اربد شمال الأردن، ومخيم اربد ـ وسط مدينة أربد.
لبنان: «فتح» و«حماس»: لا بديل عن حق العودة
طالبتا بيروت بتشريعات تحفظ للاجئين حقوقهم
مع حلول الذكرى الـ 59 على حصول نكبة فلسطين ، أكدت حركتا التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» والمقاومة الإسلامية «حماس» في لبنان، حيث يعيش نحو 350 ألف لاجئ، على التمسك بحق العودة. ودعا الطرفان الدولة اللبنانية إلى إقرار تشريعات تتيح لهؤلاء اللاجئين العيش بكرامة بما يعزز صمودهم، إلى حين عودتهم إلى ديارهم، فيما حذرت حماس من مخطط أميركي ـ إسرائيلي لإزالة البند المتعلق بحق العودة من «المبادرة العربية»، وتوطين الفلسطينيين في بلدان اللجوء مقابل تعويضات مالية، وبالتالي شطب قضية نحو ستة ملايين لاجئ في الشتات.
وقد وصف مسؤول حركة فتح في لبنان اللواء سلطان أبو العينين ل«البيان» ظروف اللاجئين بأنها تزداد سوءً عاماً بعد عام، لكنه أكد أنه رغم ذلك يبقى الفلسطينيون متمسكون بالعودة إلى أرضهم وديارهم. وقال: «أريد أن أقول لأشقائنا اللبنانيين إن حصول اللاجئين على حقوقهم المدنية والاجتماعية يجعلهم يكتسبون حصانة ومنعة من القبول بالتوطين. أما الفلسطيني الذي يُذل ويُهان وتُمنع عنه أبسط حقوقه الإنسانية، فإنه سيكون من الضعف بمكان لا يمكنه من مقاومة الضغوط التي يتعرض لها، لذلك، فإن مواجهة مشاريع التوطين أو التهجير تحتاج إلى تحصين الاجتماعي». وشدد على أن «لبنان بلد جميل ورائع، ولكنه لا يضاهي روعة فلسطين بالنسبة إلى أهلها، الذين يفضلون عليه العودة إلى ديارهم».
ومع احتمال أن ينسى الفلسطينيون مسألة العودة مع تقدم الزمن، لفت أبو العينين إلى أن «القادة الصهاينة قالوا إن الكبار يتذكرون والصغار سينسون. لكن التاريخ أثبت أن الأجيال الفلسطينية التي تتعاقب منذ النكبة أظهرت تمسكاً بأرضهم وتعصباً لقضيتهم لا يقل وفاءً عمن سبقوهم، والسنوات أظهرت أنها ليست كفيلة بإزاحة عن حقهم باسترجاع أرضهم المحتلة مهما تعرضوا له من ضغوط سياسية واجتماعية».
وفي هذا السياق، دعا إلى أن يتاح للفلسطينيين بالعيش بكرامة من خلال السماح لهم بالعمل في لبنان لكي يكونوا نقطة قوة وليس نقطة ضعف في الاقتصاد اللبناني. وأشار أبو العينين إلى أن آخر الإحصائيات أظهرت أن عدد الفلسطينيين في لبنان، بغض النظر عمن هاجر منهم إلى بلدان أخرى، لا يزيد عن نحو 350 ألف لاجئ، تم تجنيس نحو 25 ألفا في العام 1994.
«بلاطة» عنوان للبؤس والفقر
مخيم بلاطة للاجئين واحد من اكبر المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية ويقع شرقي مدينة نابلس، تم تشييده في عام 1952، بعد هجرةالعديد من سكان القرى من أراضيهم الأصلية في فلسطين التاريخية.
وإذا أردت أن تسافر إلى هذا المخيم فقبل أن تصل إليه تقف محتارا على الطريق التي ستسلكها للدخول إليه إذ إن جميع المداخل أغلقها جيش الاحتلال بالسواتر والتلال الترابية المرتفعة والتي تحجب ما يجري هناك خلفها في الشارع الذي سمي بشارع المدارس، حيث تتمركز كافة مدارس المخيم هناك. وبمجرد الدخول إلى أول أزقة وشوارع المخيم تلامس الكثير من البؤس حيث قوات الاحتلال تواصل الاجتياحات المتكررة وهذه تزيد مأساتهم إضافة إلى حياة الضنك وانتشار الفقر والبطالة السائدة مع البنية التحتية المدمرة للمخيم فالعمليات العسكرية للاحتلال دمرت بنية المخيم بالكامل تقريبا.
عباس زكي: قضيتنا حية رغم الهبوط العربي
قال ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي، انه في يوم النكبة الأسود الذي أعلنت فيه دولة إسرائيل المحتلة راهن كل العالم على انتهاء الشعب الفلسطيني ،وقال حينها جون فوستر دالاس: الكبار يموتون والصغار ينسون ويسدل الستار، مشيرا إلى انه «اليوم وفي الذكرى ال59 للنكبة الكبار قضوا على طريق النضال والصغار يلقنون الأعداء دروسا واضحة المعالم بحيث صار حجرهم أكبر من أي صاروخ يمتلكه العدو».
وأضاف «منذ تسعة وخمسين عاما والقضية لا تزال حية وجبهة النضال متقدة ومتواصلة رغم الهبوط العربي، وانهيار القيم في العالم، وشريعة الغاب التي تمارسها الولايات المتحدة المقطورة بشكل أعمى لترى المنطقة العربية داخل امتيازات بالجغرافيا والثروة والبشر لا تراها إلا بالعيون الإسرائيلية، وعلى الرغم من سيطرة اللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد الذين يقودون العالم لا تزال القضية الفلسطينية الأولى على أجندة الشرق الأوسط مهما حاولوا إغراقها ومهما تعددت الجبهات، فهي الجبهة الوحيدة التي تشكل أداة قياس حقيقي للمناضل والإنسان وللوطني والقومي لأن قضية فلسطين هي كبش فداء كل المعتقدات على اعتبار أنها مهد الديانات ومهبط الرسالات السماوية».
وانتقد زكي تنكيل العرب بقضية فلسطين، وقال: انتقدوا مرارا اتفاق أوسلو علما أنه كان خلاصة مرحلة الهبوط العربي وعدم قدرة العرب على التعاطي مع تداعيات القضية الفلسطينية بحكم صيغة تكوين أنظمتنا، فنحن باتفاق أوسلو هبطنا إلى المستوى العربي بعد 22 شهرا على انقطاع الهواء والنور عن شعبنا، إضافة إلى متغيرات دولية فرضت علينا الذهاب نحو ذاك الاتفاق من بينها اختفاء المعسكر التقدمي الاشتراكي واستبداد الولايات المتحدة بالعالم،
لكننا رغم ذلك لم نعرف الهدنة وحتى اليوم لم نضع البندقية فبعد أوسلو جاءت انتفاضة الأقصى عام 96 وتلتها انتفاضة أخرى عام 2000 وما زلنا على الدرب سائرين واعتبر زكي أن ما بقي من النكبة هو كل تداعياتها، فالقضية ما زالت هي القضية والهمة هي الهمة والظروف الصعبة نفسها، لكن شعبنا الآن صار مهيأ للعودة مجددا إلى التمايز في السرب العربي ليقود مجددا إلى القضية المركزية فلسطين، وهناك تحرك على أكثر من مستوى لترتيب أوضاع بيتنا الفلسطيني، فأميركا ليست قدرا ولا المحافظون الجدد هم المنتصرون.
شفيق الحوت: قادرون على ترتيب البيت ووقف المهازل
قال عضو المجلس الوطني الفلسطيني مسؤول منظمة التحرير في لبنان سابقا شفيق الحوت: «يتملكني في ذكرى نكبة شعبنا الأليمة إحساسان متناقضان، شعور بالحزن سرعان ما يتغلب عليه شعور بالإعتزاز والفخر لمسيرة الشعب الفلسطيني النضالية واستمرار مقاومته للإحتلال وإصراره على استرداد أرضه واستعادة كامل حقوقه الوطنية، وفي مقدمها حق العودة وتقرير المصير والسيادة الوطنية، فقد مضى أكثر من خمسين عاما وشعبنا يقدم قوافل الشهداء والسجناء ولم أسمع أن أما بكت أو أبا اشتكى أو تزعزع إيمانه».
وأكد أن«الشعب الفلسطيني قادر في نهاية المطاف على ترتيب بيته ووضع حد لهذه المهازل المبكية، وهو قادر بالتالي على أن يقاتل إسرائيل ويتصدى لحصار دولي مستمر منذ سنتين والشعب لا يزال منتصب القامة مرفوع الرأس وهذا أمر يدعونا فعلا للفخر والاعتزاز» وأكد الحوت أن إبقاء الذكرى حية في نفوس الجيل الفلسطيني والعربي الآتي يكون بالعمل على استمرار ثقافة المقاومة باعتبار أن القضية الفلسطينية أصبحت قضية أجيال وبالتالي علينا أن نعد لمعركة طويلة المدى، ما يعني أنه لا بد إضافة إلى المقاومة المسلحة من تفعيل كل الجبهات النضالية الأخرى لا سيما المدارس والجامعات لكي يبقى الوعي مستيقظا ولا يغفل عن مخططات العدو التي لم تنته بعد.
وأعرب الحوت عن عميق قلقه من الإنحسار المخيف في الموقف العربي الذي ينذر بمخاطر التصفية إذا ما استمر الحال على ما هو عليه اي الصمت أمام العدوان الصهيوني المتزايد والضغط على الفلسطينيين من أجل المزيد من التنازلات، معتبرا أنه في الوقت نفسه لم يعد باستطاعة الفلسطيني أن ينتقد شقيقه العربي ويطالبه بما تنازل هو عنه، مع ذلك فإن دوام الحال من المحال ولا بد للعرب من صحوة مهما طال الزمن
غزة ـ ماهر إبراهيم، دمشق ـ تيسير أحمد، القاهرة ـ «البيان»، عمان ـ لقمان اسكندر، بيروت ـ سهيل شهاب، بيروت ـ ثناء عطوي