«لو كان الفقر رجلاً لقتلته» كلمات قالها الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه لا تزال باقية حتى الآن، ونجدها واقعاً حياً اليوم حينما نستعرض ما يتعرض له بعض الشباب الأردني من عمليات نصب واحتيال من قبل عصابات منظمة لبيع كُلى مقابل الحصول على مبالغ رمزية لمواجهة الفقر المدقع الذي يعيشونه.
وفي هذا الإطار يمكن رصد قصص لشباب في عمر الورود سمحوا بصورة أو بأخرى لسماسرة اللحم البشري باستغلالهم من خلال استدراجهم إلى دول خارج الأردن وشراء كُلاهم بسعر قد لا يتجاوز ال« 500 » دينار أردني للكلية الواحدة ، ما يجعل من هؤلاء الشباب عبئاً على الدولة في حال إصابتهم بأمراض مثل الفشل الكلوي، والإيدز، والالتهابات الفيروسية السارية، ناهيك عن المضاعفات الطبية الأخرى.
ورغم أن قانون التبرع بالأعضاء يمنع هذه التجارة أو بيع الأعضاء مقابل الأجر أو المال ويعاقب من يتخذها مهنة، إلا أن هناك لفيفاً من السماسرة وأصحاب النفوس الضعيفة يقومون بتسويق أعضاء الشباب إلى الدول المجاورة التي تسمح قوانينها بنقل الأعضاء من غير مواطنيها.
حيث يقوم السمسار بإجراء الفحوصات الطبية التمهيدية للأطراف المعنيين بالعملية كلها من خلال المراكز الطبية الأردنية وبالتنسيق مع الأطراف خارج الأردن. ويقول أحد الضحايا انه لم يجد شيئاً في بيته ليبيعه، من أجل إطعام أطفاله فباع كليته. ويضيف انه يرفض أن يراهم جياعاً ولا يفعل شيئاً.
ولكن هل بالفعل لا يوجد عمل، أي عمل، يمكنه من إطعام أبنائه سوى بيعه لكليته، خصوصاً وأن التقديرات تشير إلى أنه لن يتمكن من إطعامهم من المبلغ الذي سيحصل عليه سوى أشهر معدودة. سألناه ماذا سيفعل بما تبقى له من عمر حتى يعيل أطفاله الذين تعذر بهم لبيع أعضائه فقال: «الله يرزق».
ويقول «س.ع» مواطن أردني يبلغ من العمر 29 عاماً وهو عاطل عن العمل ومتزوج ولديه ولد وبنت يسكن في إحدى غرف بيت العائلة المتواضع أصلاً، «لم أجد شيئاً أبيعه في البيت لأطعم أولادي فبعت أعضائي». ولم يمتهن الشاب المذكور مهنة يعتاش من ورائها هو ومن خلفه، ولكنه يبحث عن عمل يدر عليه مالاً وفيراً، وبشكل عاجل وسريع.
هو نادم اليوم على فعلته لأمرين الأول انه اشترى الأوجاع والأمراض المزمنة عن كامل وعي وإرادة منه . والثاني أن ما تبقى له ولأسرته بعد عملية بيعه لكليته لا يزيد عن الألف دينار إلا بدنانير قليلة. ويضيف: «كنت أعتقد أن هذا المبلغ ضخم وانه سيبقى معي مدة طويلة قبل أن ينتهي، ولكنه انتهى في شهرين، بعد أن صرفت جزءاً منه على المضادات الحيوية والأدوية».
من جانبها ضبطت وزارة الصحة الأردنية عدداً من الشباب الذين باعوا كلاهم بعد أن قصدوا مستشفيات ومراكز تابعة للوزارة لتلقي العلاج نتيجة حدوث مضاعفات لهم وحولتهم إلى الجهات المختصة للتحقيق. كما دأبت الأجهزة الرسمية بالتعاون مع وزارة الصحة على تعقب الأشخاص المشبوهين بالمتاجرة الخفية بالأعضاء البشرية، بعد أن نجح سماسرة، احترفوا هذا المجال،
باستدراج عدد من الشباب الأردنيين إلى الخارج لإغرائهم ببيع كلاهم في مصر وباكستان ولبنان بعد أن كانوا يستدرجونهم إلى العراق. كما استحدثت وزارة الصحة قسماً خاصاً لحالات البيع وملاحقتها والتحقيق فيها وكشفها ومن ثم تحويلها إلى القضاء.
وتشير إحصاءات وزارة الصحة إلى أن زهاء 2400 مصاب بالفشل الكلوي الحاد يحتاجون إلى غسيل كلى باستمرار بتكلفة سنوية تصل إلى قرابة 30 مليون دينار تنفقها الدولة. ويستقبل قسم الكلى في مستشفى البشير اكبر المستشفيات الحكومية في الدولة العدد الأكبر من المرضى والذي بات يعاني من نقص في الكوادر الطبية والتمريضية في هذا الاختصاص بالذات.
عمان ـ لقمان إسكندر