وسط أجواء من الحزن العارم وإقفال تام للمؤسسات والمحال التجارية وإجراءات أمنية مشددة شيع اللبنانيون زياد قبلان (25 سنة) وزياد الغندور(12 سنة) اللذين اغتيلا بعد خطفهما، في ظل انتشار واسع للجيش اللبناني فيما اجمع المسؤولون السياسيون على الدعوة إلى التهدئة وعدم الانجرار وراء الفتن المذهبية، بينما تكشفت معالم الجريمة التي وقعت «لأسباب انتقامية وليست سياسية» حسب وزارة الدفاع اللبنانية، التي اعتبرتها ثأرا عائليا لاغتيال أحد عناصر حركة «أمل».
وسار في تشييع القتيلين من مستشفى المقاصد في منطقة الطريق الجديدة في العاصمة مروراً بوطى المصيطبة، حيث كانا يقيمان. وحمل النعشان على الأكتاف وترافقا مع نثر الأرز والورود وإطلاق الأسهم النارية، بمشاركة عدد من الوزراء والنواب تقدمهم زعيم الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب وليد جنبلاط، علماً بان احدى الضحيتين كان ينتمي الى الحزب والآخر نجل أحد أعضاء الحزب. كما شارك ممثلون لرئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة ورئيس «كتلة المستقبل» النائب سعد الحريري ووزراء ونواب ورجال دين من كافة الطوائف اللبنانية وزعماء أحزاب وقوى اسلامية ومسيحية.
وقال جنبلاط في كلمة أمام النعشين بعد انتهاء الصلاة على الجثمانين: «أؤكد اليوم على ما قلته بالأمس: حمايتنا تكون فقط مع الدولة» داعيا إلى ابعاد الجريمة «عن التسييس». وأضاف: «لنتوحد جميعاً تحت راية الدولة ولنحمي الدولة والجيش ونتقدم جميعا بهدوء وبصمت وننتظر نتائج التحقيق».وشدد عم الفقيد زياد الغندور على ان الزيادين «هما فداء للبنان والوحدة الوطنية اللبنانية»، مؤكدا «رفض الفتنة وعدم الانجرار الى المنزلق الذي يحاول البعض اخذ لبنان اليه».في هذه الأثناء، أكد وزير الدفاع الياس المر ارتباط الجريمة بمقتل عدنان شمص احد انصار حركة «امل» المعارضة في 25 يناير مشددا على ان الموضوع انتقامي «لا سياسي».
وقال المر في حديث تلفزيوني: «لم يعد هناك مشتبه بهم مجهولون. المشتبه بهم معروفون.. الاشخاص الذين يشتبه بهم هم من اقاربه (القتيل من حركة أمل عدنان شمص) وفارون من منازلهم». واكد على أن الجيش رفع جهوزيته «الى نسبة 100 في المئة» وقال: «لن نسمح بفتنة». واضاف: «هذه الجهوزية دائمة حتى يعالج الملف امنيا ويسلم الى القضاء» موضحا بان «ستين الف عسكري منتشرون على كل الاراضي اللبنانية».
وفي جو الاحتقان ترأس وزير الداخلية والبلديات حسن السبع اجتماعاً استثنائياً لمجلس الامن المركزي واطلع على الأوضاع والقضايا الأمنية وملابسات جريمة اختطاف الغندور وقبلان. كما اطلع على آخر ما توصلت اليه التحقيقات مع بعض المشتبه فيهم والمداهمات التي تمت لبعض الاماكن المشبوهة بهدف كشف كامل تفاصيل وهوية القتلة وسوقهم الى العدالة في اسرع وقت.
من ناحية أخرى، توالت ردود الفعل المستنكرة للجريمة وقال رئيس الجمهورية اميل لحود ان ما جرى «يستهدف زرع الفتنة بعد فشل كل المحاولات التي بذلها المتآمرون لجر البلاد الى مواجهة داخلية».. فيما شدد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي تطالب المعارضة بتنحيه على دور الدولة «المكان الوحيد الذي يمكن ان يستطيع ان يؤمن العدالة».
وشدد السنيورة على ان الحكومة «لن تترك وسيلة للقبض على المجرمين وسوقهم الى العدالة لينالوا جزاءهم». وقال: «هذا العمل مقصود منه جر اللبنانيين الى الفتنة». وعلى غرار قادة الغالبية شددت حركة امل على «ضرورة ان تتحمل الاجهزة الامنية مسؤولياتها لكشف الفاعلين وانزال اشد العقوبات بهم» مؤكدة في بيان «العمل على قطع الطريق على مريدي الشر واثارة الفتنة في البلاد».
أما حزب الله فدعا «الأجهزة الرسمية الأمنية والقضائية الى القيام بمسؤولياتها الكاملة في الكشف عن المجرمين وملاحقتهم وسوقهم الى العدالة لنيل العقاب المستحق». واكد في بيان «ان هذه الجريمة النكراء تضع جميع القوى والقادة امام مسؤولياتهم الوطنية في تفويت الفرصة على المتربصين بلبنان ووحدته واستقراره».
«البيان» في منزل القتيلين
قبل دقائق معدودة من وصول نبأ العثور على جثتي اللبنانيين زياد قبلان وزياد غندور اللذين خطفا قبل ثلاثة أيام من منطقة الضبية في بيروت، كانت «البيان» في منزل عائلتي الضحيتين في منزلهما في منطقة وطى المصيطبة.في منزل آل غندور، تحدثت شقيقة القتيل الوحيدة نوال التي تكبره بسنتين بفيض عن زياد الشقي الذي يملأ البيت مرحا وصخبا، فيما كانت أمها تعد قهوة مرة في المطبخ تقوّيها على سهر المزيد من الليالي الموحشة بانتظار عودة زياد إلى المنزل.
كانت نوال شقيقة المغدور هي الأم الثانية لزياد كما تقول توقظه كل صباح استعدادا للذهاب إلى المدرسة تحضر له كتبه تعد مشروبه الساخن وترتب حقيبته المدرسية، وفي المساء تكرر واجبات ما قبل النوم التي لم تبدلها منذ اختطافه، تقول: «أعددت له منذ اليوم الأول لغيابه غطاء السرير ووضعت البيجاما على كرسيه ورتبت كتبه بحسب اليوم الدراسي التالي على أمل أن يصل ليلا وأنا نائمة أو أن أستيقظ وأجده يضج ويصخب في المنزل كعادته لكننا حتى الآن لم نسمع عنه شيئا».
وتضيف: «أصعب ما واجهته في تجربة الخطف هذه أمرين أن استيقظ كل يوم ولا أجده في سريره قربي وشعوري الدائم بالخوف الذي واجهه وهو لا يزال طفلا غير قادر على تحمل القسوة والعنف بعد». تدخل والدة زياد لتتابع الحديث وتعيد السؤال نفسه «لماذا زياد ابني وهو الذي لم يكمل عامه الثاني عشر الذي احتفل به مطلع أبريل الحالي، لقد أحضرت له يومها سيارة صغيرة هدية وقلت له عندما تكبر وتنجح في المدرسة سأشتري لك سيارة أكبر لنتنزه بها كلنا»، تضرب الأم كفا بكف ثم تعيد صياغة السؤال بشكل مختلف «هل سيعيدونه برأيكم؟».
تهز رأسها الخدر من كثرة الأدوية التي تناولتها بعد أن فقدت كل قدرة لها على النوم والطعام منذ أيام ثلاثة، ثم تقول: «لا أخفيك سرا أشعر أحيانا بخنقة تكاد تقطع أنفاسي وأحيانا أخرى أحس بجسدي وقلبي باردين».
يقطع الحديث رجلان اقتحما فناء المنزل الأرضي بسيارتهما، ونادا على أحد رجال العائلة، همسا بأذنه كلمات قليلة ثم انطلقا مسرعين، عاد الرجل وقد تقلصت ملامحه واصفر لون وجهه ليعتذر من إكمال الحديث الصحافي قائلا: أرجوكم يكفي اليوم أحاديث صحافية لأننا متعبين ونعيش على أعصابنا التي انهارت مع كل خبر وشائعة من هنا وهناك».
أما في منزل القتيل الثاني، كانت والدة زياد قبلان عاجزة عن التحدث مع أي كان وهي التي تعيش منذ الاثنين الماضي على المهدئات، والده يقول «لا علاقة لنا بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد.... ربيته وشقيقه بعرق وتعب عمري فأنا حارس بناية لم يكن لي هم في حياتي إلا إعالتهما، لم أصدق عندما سافر شقيقه الأصغر للعمل في دبي وزياد تسلم عملا جديدا في إحدى شركات توزيع المشروبات الغازية، كان يقول لي دائما ارتاح يا أبي الآن دورنا نحن لنعمل ونرد جميلك».
قبل انتهاء المقابلة بين «البيان» وعائلة قبلان حضر الشابان نفسهما اللذان مرا قبل دقائق بمنزل عائلة غندور ونادا على العائلة ما ينمي بحدوث أمر فظيع، دخل خال المغدور الثاني علينا وعيناه تقدحان كالجمر وهو يصرخ بالجميع «إشاعة أخرى جديدة عن جثتين في منطقة جدرا لم تعثر القوى الأمنية بعد عليهما.. لحظات مرت ثقيلة قبل أن ينتفض الوالد من مقعده متوسلاً خذوني لأراه خذوني أرجوكم إلى هناك». لم تكن هذه المرة إشاعة.
بيروت ـ ثناء عطوي, علي بردى